حجم الخط:

الثاني: دلالةُ الإشارةِ:

وهو: ما دلَّ لفظُه على ما لم يقصدْ به قصدًا أوليًّا، بل من لازمِه.

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ [البقرة: 187]، فإنه يلزمُ من جوازِ الأكلِ والشربِ والجماعِ حتى الفجرِ بحيثُ لا يتسعُ الوقتُ للغسلِ من الجنابةِ أن يصبحَ الصائمُ على جنابةٍ، فتكونُ دلالةُ اللفظِ أشارت إلى جوازِ إصباحِ الصائمِ على جنابةٍ، وهو معنًى لم يقصدْ باللفظِ قصدًا أوليًّا، بل من لوازمِه.

قالَ السيوطيُّ: (وحُكِيَ هذا الاستنباطُ عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ)[1].

وكقولِه تعالى في بيانِ مصارفِ الغنيمةِ: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: 8]، ففي وصفِهم بأنهم فقراءُ -مع أن لهم أموالًا ودورًا في مكةَ- إشارةٌ إلى تملكِ الكفارِ أموالَهم بالاستيلاءِ عليها، وهي دلالةٌ غيرُ مقصودةٍ بالنصِّ؛ لأنها إنما سيقَتْ لبيانِ مصارفِ الفيءِ والغنيمةِ واستحقاقِهم لسَهْم فيها، لا لبيانِ أن الكفارَ يملكون أموالَ المسلمين بالاستيلاءِ، لكن وقعتِ الإشارةُ إليه من حيثُ أن اللهَ سماهم فقراءَ مع إضافةِ الأموالِ إليهم، فلو كانتْ أموالُهم باقيةً على ملكِهم لما صحَّتْ تسميتُهم بالفقراءِ إلا مجازًا، وهو خلافُ الأصلِ[2].

وقد وقعَ خلافٌ بين العلماءِ في اعتبارِ دلالةِ الاقتضاءِ ودلالةِ الإشارةِ من المنطوقِ أو المفهومِ، فجعلَهما الآمديُّ وابنُ الحاجبِ والسيوطيُّ وغيرُهم من المنطوقِ، وجعلَهما الغزاليُّ في (المستصفى) والبيضاويُّ والزركشيُّ من المفهومِ[3].

والخلاصةُ أن المنطوقَ خمسةُ أقسامٍ:

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة