القولُ الثاني: أن التأويلَ هو الحقيقةُ التي يؤولُ إليها الخطابُ:
وهي نفسُ الحقائقِ التي أخبرَ اللهُ عنها.
فتأويلُ ما أخبرَ به عن اليومِ الآخرِ هو نفسُ ما يكونُ في اليومِ الآخرِ، وتأويلُ ما أخبرَ به عنْ نفسِه هو ذاتُه المقدسةُ الموصوفةُ بصفاتِه العليةِ.
وهذا التأويلُ هو الذي لا يعلمُه إلا اللهُ، ولهذا كانَ السلفُ يقولون: (الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ)، فيثبتون العلمَ بالاستواءِ، وهو التأويلُ الذي بمعنى التفسيرِ، وهو معرفةُ المرادِ بالكلامِ حتى يُتدبَّرَ، ويُعقلَ، ويُفقهَ، ويقولون: الكيفُ مجهولٌ، وهو التأويلُ الذي انفردَ اللهُ بعلمِه، وهو الحقيقةُ التي لا يعلمُها إلا هو[1].
وعليه فإن الوقفَ يكونُ على لفظِ الجلالةِ في قولِه تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾، والواوُ للاستئنافِ، والراسخون مبتدأٌ، و(يقولون) خبرُه.
وقالَ بهذا القولِ نيفٌ وعشرون رجلًا من الصحابةِ والتابعين والقراءِ والفقهاءِ وأهلِ اللغةِ، فمن الصحابةِ: عائشةُ وابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأُبيُّ بنُ كعبٍ، وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ، رضي الله عنهم.
فقد رويَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «بلغَ رسوخُهم في العلمِ إلى أن قالوا: آمنَّا به»، وفي روايةٍ: «ولم يعلموا تأويلَه»، وما أخرجَه الشيخان وغيرُهما عن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: تلَا رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ إلى قولِه: ﴿ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.
قالْتَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «فإذا رأيتَ الذين يتبعون ما تشابَه منه، فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحذروهم».
وكان ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما يقرأُ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللهُ ويقولُ الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنَّا بِهِ)، وهي قراءةٌ على التفسيرِ.
وقراءةُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: (وإن تأويلُه إلا عندَ اللهِ، والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به).
أخرجَه ابنُ أبي داودَ في (المصاحفِ).
وقالَ به من التابعين ثلاثةٌ: الحسنُ وابنُ نَهِيك والضحاكُ.
وقالَ به من الفقهاءِ: مالكُ بنُ أنسٍ.
ومن القراءِ ثلاثةٌ: نافعٌ ويعقوبُ والكسائيُّ.
ومن النَّحويين: الأخفشُ وسعيدٌ والفراءُ وسهيلُ بنُ محمدٍ.
ويروى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وعروةَ بنِ الزبيرِ وأبي عبيدٍ وابنِ جريرٍ وأبي إسحاقَ وابنِ كيسانَ والسديِّ[2].
ويدلُّ على ذلك (أن الآيةَ دلتْ على ذمِّ متبعي المتشابهِ، ووصفِهم بالزيغِ وابتغاءِ الفتنةِ، وعلى مدحِ الذين فوضوا العلمَ إلى اللهِ، وسلموا إليه، كما مدحَ اللهُ المؤمنين بالغيبِ)[3].
وقالَ ابنُ تيميةَ عن هذا المعنى: (إنه هو معنى التأويلِ في القرآنِ والمرادُ به في مثلِ قولِه تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 53]، وقولِه سبحانَه: ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، وقالَ يوسفُ: ﴿ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 100])[4].
وقالَ عن هذا المعنى: (إنه لغةُ القرآنِ التي نزلَ بها... فتأويلُ الأحاديثِ التي هي رؤيا المنامِ هي نفسُ مدلولِها التي تؤولُ إليه كما قالَ يوسفُ: ﴿ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾... وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، قالوا: أحسنُ عاقبةً ومصيرًا، فالتأويلُ هنا تأويلُ فعلِهم، الذي هو الردُّ إلى الكتابِ والسنةِ، والتأويلُ في سورةِ يوسفَ تأويلُ أحاديثِ الرؤيا، والتأويلُ في الأعرافِ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ [53]، ويونسَ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ ﴾ [39] تأويلُ القرآنِ، وكذلك في سورةِ آلِ عمرانَ.
وقالَ تعالى في قصةِ موسى والعالمِ: ﴿ قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 78] إلى قولِه: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 82] فالتأويلُ هنا تأويلُ الأفعالِ التي فعلَها العالمُ من خرقِ السفينةِ بغيرِ إذنِ صاحبِها، ومن قتلِ الغلامِ، ومن إقامةِ الجدارِ، فهو تأويلُ عملٍ لا تأويلُ قولٍ، وإنما كانَ كذلك؛ لأن التأويلَ مصدرُ أوَّله يؤولُه تأويلًا... وقولُهم: آلَ يؤولُ، أي: عادَ إلى كذا، ورجعَ إليه، ومنه: (المآلُ) وهو ما يؤولُ إليه الشيءُ، ويشاركُه في الاشتقاقِ الأكبرِ: (الموئلُ) فإنه من وَأَلَ، وهذا من أَوَلَ، والموئلُ المرجعُ، قالَ تعالى: ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾ [الكهف: 58])[5].