النسخُ لغةً:
يُطْلَقُ بمعنى الرفعِ والإزالةِ، يقالُ: نسخَتِ الشمسُ الظلَّ، ونسختِ الريحُ الأثرَ: إذا أزالَتْه، ومنه قولُه تعالَى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحج: 52].
ويُطْلَقُ ويُرَادُ به: نقلُ الشيءِ من موضعٍ إلى موضعٍ.
ومنه: تناسخُ المواريثِ؛ لانتقالِ المالِ من وارثٍ إلى وارثٍ.
وتناسخُ الأرواحِ عند القائلين به، ونسخُ الكتابِ، ويقالُ: نسخَه اللهُ قردًا بمعنى مسخَهُ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29]، والمرادُ نقلُ الأعمالِ إلى الصحفِ.
النسخُ اصطلاحًا:
رفعُ الحكمِ الشرعيِّ بخطابٍ شرعيٍّ متراخٍ عنه.
والمرادُ بقولِنا: (رفعُ) أي: قطعُ العملِ به.
وخرجَ بهذا القيدِ ما ليس برفعٍ كالتخصيصِ، فإنه لا يرفعُ الحكمَ، وإنما يقصرُه على بعضِ أفرادِه[1].
وبقولِنا: (الحكمِ الشرعيِّ) خطابُ اللهِ المتعلقُ بأفعالِ المكلفين.
وخرجَ به رفعُ البراءةِ الأصليةِ، كإيجابِ الصلاةِ والزكاةِ، فإنه رافعٌ للبراءةِ الأصليةِ لذمةِ الإنسانِ منها قبلَ ورودِ الشرعِ بها، ولا يُقالُ لهذا: نسخٌ؛ لأنها حكمٌ عقليٌّ لا شرعيٌّ.
والمرادُ بقولِنا: (بخطابٍ شرعيٍّ) الكتابُ والسنةُ.
وخرجَ بذلك رفعُ الحكمِ الشرعيِّ بدليلٍ عقليٍّ، كسقوطِ التكليفِ عن الإنسانِ بموتِه أو جنونِه، وكذلك خرجَ به رفعُ الحكمِ الشرعيِّ بالإجماعِ أو القياسِ.
وخرجَ بقولِنا: (متراخٍ عنه) ما كانَ متصلًا بالحكمِ، كقولِه تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ﴾ [البقرة:187]، فإن قولَه: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ ﴾ غيرُ ناسخٍ؛ لإباحةِ الأكلِ والشربِ، وإنما هو بيانٌ وتتمةٌ للمعنى، فلا يُعْتَبَرُ نسخًا.