ثالثًا: أولُ ما نزلَ وآخرُ ما نزلَ في تشريعِ الجهادِ:
وقد مرَّ الجهادُ بمراحلَ، هي:
المرحلةُ الأولى: وهيَ المرحلةُ المكيةُ، حيثُ لم يُشَرِّعِ الجهادَ، وإنما أُمِرُوا بالعفوِ والصفحِ، فمن الآياتِ: ﴿ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 89].
المرحلةُ الثانيةُ: أَذِنَ بالقتالِ بمعنَى إباحتِه لا وجوبِه للمهاجرينَ خاصةً الذين أخرجُوا منْ ديارِهم، قالَ تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ ﴾ [الحج: 39 - 40].
المرحلةُ الثالثةُ: الأمرُ بالجهادِ للدفاعِ.
وذلك أنَّ قريشًا تضررَتْ من السرايا التي يبعثُها الرسولُ ﷺ؛ للهجومِ على قوافلِ قريشٍ، فجمعتْ جمعَها، واتجهَتْ إلى المدينةِ؛ لحمايةِ إحدى قوافلِها، وإرهابِ المسلمين، فانتدبَ الرسولُ ﷺ أصحابَه للدفاعِ، والتقى الجيشانِ في بدرٍ، وفُرِضَ قتالُ الذين يقاتلون المسلمين: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].
المرحلةُ الرابعةُ: فرضُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ.
وفي هذه المرحلةِ فُرِضَ الجهادُ ابتداءً من غيرِ أن يبدأَ الكفارُ بالقتالِ، قالَ تعالى: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ ﴾ [البقرة: 191].
وبمعرفةِ هذه المراحلِ يظهرُ خطأُ بعضِ المتصدينَ للدفاعِ عن عقيدةِ الجهادِ، فيخطئونَ تحتَ وطأةِ الهزيمةِ الداخليةِ، فيزعمون أنَّ الجهادَ للدفاعِ لا للطلبِ، فيقفونَ عند حدِّ المرحلةِ الثالثةِ، تمامًا كأولئكَ الذين يزعمون أنَّ الرِّبا الحرامَ هو ما كانَ أضعافًا مضاعفةً.