حجم الخط:

فوائدُ تكرارِ القصةِ في القرآنِ الكريمِ:

ولتكرارِ القصَّةِ في القرآنِ الكريمِ فوائدُ وحكمٌ عديدةٌ، منها:

1- قـوةُ الإعجازِ:

كما قال الباقلانيُّ: (وأُعِيدَ كثيرٌ من القصصِ في مواضعَ مختلفةٍ على ترتيباتٍ متفاوتةٍ، ونبهوا بذلك على عجزِهم عن الإتيانِ بمثله مبتدأً به ومكررًا، ولو كانَ فيهم تمكنٌ من المعارضةِ لقصدُوا تلكَ القصةَ، فعبَّرُوا عنها بألفاظٍ لهم تؤدِّي معناها.. وجعلوها بإزاءِ ما جاء به، وتوصَّلُوا بذلك إلى تكذيبِهِ، وإلى مساواتِه فيما جاءَ بهِ، كيفَ وقد قال لهم: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]، فعلى هذا يكونُ المقصدُ بتقديمِ بعضِ الكلماتِ وتأخيرِهَا إظهارَ الإعجازِ على الطريقينِ)[1].

وقالَ الزركشيُّ: (كررَ ذكرَ القصةِ في مواضعَ؛ إعلامًا بأنَّهم عاجزونَ عن الإتيانِ بمثله بأيِّ نظمٍ جاءوا، وبأيِّ عبارةٍ عبَّرُوا)[2].

ولا شكَّ أن القصةَ الواحدةَ حين تكونُ معجزةً بوجهٍ ثمَّ معجزةً بوجهٍ آخرَ، فإنَّ هذا يعني قوَّةً في الإعجازِ، وزيادةً في التَّحدِّي.

2- بيانُ بلاغةِ القرآنِ الكريمِ في أعلَى مراتبِهَا:

يقولُ الباقلانيُّ: (إنَّ إعادةَ ذكرِ القصةِ الواحدةِ بألفاظٍ مختلفةٍ تؤدِّي معنًى واحدًا من الأمرِ الصعبِ الذي تظهرُ فيه الفصاحةُ، وتتبينُ فيه البلاغةُ)[3].

من خصائصِ البلاغةِ إبرازُ المعنَى الواحدِ في صورةٍ مختلفةٍ، والقصةُ المتكررةُ تردُ في كلِّ موضعٍ بأسلوبٍ يتمايزُ عن الآخرِ، وتصاغُ في قالبٍ غيرِ القالبِ، ولا يملُّ الإنسانُ من تكرارِهَا، بلْ تتجددُ في نفسِهِ معانٍ لا تحصلُ له بقراءتِهَا في المواضعِ الأخرى[4].

3- أنَّ المعانيَ التي اشتملتْ عليها القصةُ الواحدةُ من هذه القصصِ صارتْ متفرقةً في تاراتِ التكريرِ، فيجدُ البليغُ -لما فيها منَ التغييرِ- ميلًا إلى سماعِها؛ لما جُبِلَتْ عليه النفوسُ من حبِّ التنقلِ في الأشياءِ المتجددةِ التي لكلٍّ منها حصةٌ من الالتذاذِ به مستأنفةٌ[5].

4- أنَّهُ إذا كرَّرَ القصةَ زاد فيها شيئًا لم يذكره في المرةِ الأولَى، فقد يوجدُ في ألفاظِهَا زيادةٌ أو نقصانٌ، وتقديمٌ أو تأخيرٌ[6]، ويذكرُ في كلٍّ منها ما لم يذكرْ في الأخرى لتنويعِ الفوائدِ وتوزيعِهَا.

5- الاهتمامُ بشأنِ القصةِ لتمكينِ عبرِهَا في النفسِ، فإنَّ التكرارَ من طرقِ التأكيدِ وأماراتِ الاهتمامِ، بلِ التكرار أبلغُ من التأكيدِ، فالتكرارُ تأسيسٌ، والتأكيدُ فرعٌ، وتكرارُ التأسيسِ أقوَى من التأكيدِ.

6- اختلافُ الغايةِ التي تُسَاقُ من أجلِها القصَّةُ، فتُذْكَرُ بعضُ معانيها الوافيةِ بالغرضِ في مقامٍ، وتبرزُ معانٍ أخرى في مقامٍ آخرَ حسبَ أهدافِ السورةِ وأغراضِهَا[7].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة