حجم الخط:

نشأة علم الوجوه والنظائر وتطورُهُ:

نشأَ هذا العلمُ في عصرٍ مبكرٍ في صدرِ الإسلامِ، فقدْ نقلْنَا آنفًا قولَ أبِي الدرداءِ رضي الله عنه: «إنكَ لنْ تفقهَ كلَّ الفقهِ حتَّى ترى للقرآنِ وجوهًا».

وقدْ كانَ هذا معلومًا عند الصحابةِ رضي الله عنهم؛ ولهذا قالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه لابنِ عباسٍ رضي الله عنهما حينَ بعثَهُ إلى الخوارجِ: «اذهبْ فخاصِمْهُم، ولَا تحاجِّهم بالقرآنِ؛ فإنَّهُ ذو وجوهٍ، ولكنْ خاصمْهم بالسنةِ».

وحينَ قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «يا أميرَ المؤمنين، فأنا أعلمُ بكتابِ اللهِ منهم؛ في بيوتِنا نزلَ! قالَ عليٌّ رضي الله عنه: صدقْتَ، ولكنَّ القرآنَ حمالٌ ذو وجوهٍ، تقولُ ويقولون، ولكنْ خاصمْهم بالسننِ؛ فإنَّهم لنْ يجدُوا عنها محيصًا، فخرجَ إليْهِم فخاصمَهم بالسننِ، فلمْ تبقَ بأيدِيهم حجةٌ»[1].

وقدْ وردَ عنِ الرسولِ ، وعنِ الصحابةِ والتابعينَ رضي الله عنهم أجمعينَ شيءٌ منْ هذا النوعِ، فقدْ روى الإمامُ أحمدُ رحمه الله عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه عنْ رسولِ اللهِ أنهُ قالَ: «كلُّ حرفٍ منَ القرآنِ يُذْكَرُ فيهِ القنوتُ فهوَ الطاعةُ»[2].

ورُوي عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنهُ قالَ: «كلُّ ريبٍ: شكٌّ، إلَّا مكانًا واحدًا في الطورِ: ﴿ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: 30] يعنِي: حوادثَ الأمورِ»[3].

ورُوي عن أُبي بنِ كعبٍ رضي الله عنه أنهُ قالَ: «كلُّ شيءٍ في القرآنِ منَ الرياحِ فهيَ رحمةٌ، وكلُّ شيءٍ فيه منَ الريحِ فهوَ عذابٌ»[4].

ورُويَ عن أبي العاليةِ أنه قالَ: «كلُّ آيةٍ في القرآنِ يذكرُ فيها حفظُ الفرجِ فهوَ منَ الزِّنَا، إلا قولَهُ تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ [النور: 30]، فالمرادُ أن لا يراها أحدٌ»[5].

وروى الطبريُّ، عنِ الضحاكِ: «... وكلُّ شيءٍ في القرآنِ منَ الألمِ فهوَ الموجعُ»[6].

وروي عنْ سعيدِ بنِ جبيرٍ أنهُ قالَ: (العفوُ في القرآنِ على ثلاثةِ أنحاءٍ: نحو: تجاوزٌ عنِ الذنبِ.

ونحو: القصدُ في النفقةِ: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ ۗ [البقرة: 219].

ونحو: في الإحسانِ فيما بينَ الناسِ: ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ [البقرة: 237]).

وغير ذلك منَ الشواهدِ الدالةِ على نشأةِ هذا العلمِ في عصرِ الرسولِ ، وعصرِ الصحابةِ والتابعينَ رضي الله عنهم أجمعين.

إلا أنَّ التدوينَ لم يكنْ في هذا العصرِ المبكرِ، بلْ إنَّ أقدمَ كتابٍ وصلَ إلينا يرجعُ إلى القرنِ الثاني، وهوَ: (الأشباهُ والنظائرُ في القرآنِ الكريمِ) لمقاتلِ بنِ سليمانَ (تـ: 150هـ).

وقد نسبتْ كتبٌ في الوجوهِ والنظائرِ قبلَ هذا إلى عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، وإلى عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما[7].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة