حجم الخط:

1- ما يكون منامًا:

وهو أول مراتب الوحي، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: «أول ما بُدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة -وعند مسلم: الصادقة- في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصُّبْحِ» الحديث[1].

وليست الرؤيا خاصة بالفترة الأولى من الوحي، بل وقعت بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ الآية [الفتح: 27].

ووقع الوحي بالمنام لإبراهيم عليه السلام؛ كما جاء في القرآن الكريم عنه قوله: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ١٠٢ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ١٠٣ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١٠٥ [الصافات: 102-105]، ومبادرة إبراهيم عليه السلام للامتثال وقول إسماعيل عليه السلام: ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ وقول الله تعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ دليلٌ قاطع على أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحيٌ وأمرٌ مِن الله سبحانه لهم عليهم السلام.

وفي ابتداء النبي من الوحي بالرؤيا الصالحة في المنام تهيئة واستعداد لتلقي الوحي في اليقظة، ويدل على هذا حديث علقمة بن قيس صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إن أول ما يُؤتى به الأنبياء في المنام حتى تَهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة»[2].

ولم ينزل من القرآن شيء عن طريق الوحي بالمنام، وقد يظن بعضهم أن سورة الكوثر نزلت في المنام مستدلًّا بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: بينا رسول الله ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مُبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنفًا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ١ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ٢ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ٣ [الكوثر: 1-3]...» الحديث[3].

والصحيح أن هذه الإغفاءة ليست إغفاءة نوم، فقد حكى السيوطي عن الرافعي قوله: (وقد يُحمل ذلك على الحالة التي كانت تَعتريه عند نزول الوحي، ويقال لها: بُرَحاء الوحي.

قلت -القائل السيوطي-: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه)[4].

ونقل القسطلاني عن أمالي الرافعي قوله: (الأشبه أن القرآن نزل كله يقظة)[5]، وبهذا يظهر أنه لم ينزل قرآنٌ على الرسول في المنام، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة