وهو المراد عند إطلاق التدليس؛ لتدليس الإسناد أقسام عدة:
أولًا: تدليس في مبدأ الإسناد، وله صور:
(1) أن يسمع الراوي بعض حديث شيخه بواسطة، ثم يحذف الواسطة بينه وبين شيخه، ويروي عن الشيخ مباشرة بصيغة لا تضطره إلى الكذب؛ فيقول -مثلًا-: (عن الزهري)، أو: (قال الزهري).
مثاله: حديث مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ سُمَيْع، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي كَيْفَ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه؟... الحديث[1].
قَالَ هِشَام بن عمار: (فجهدت بِمحمد بن عيسى الْجهد أَن يَقُول: حَدَّثَنَا ابْن أبي ذِئْب فَأبى أَن يَقُول إِلَّا: عَن ابْن أبي ذِئْب)[2].
قال ابن حبان: (لم يسمعهُ من ابن أبي ذِئْب؛ سَمعه من إِسْمَاعِيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي، عَن ابن أبي ذِئْب؛ فدلس عَنهُ، وَإِسْمَاعِيل واه)[3].
| هِشَامُ بن عمار | مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى | .............. | ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ | الزُّهْرِيُّ | ابْنُ المُسَيِّبِ |
| هِشَامُ بن عمار | مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى | إِسْمَاعِيلُ بن يحيى | ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ | الزُّهْرِيُّ | ابْنُ المُسَيِّبِ |
(2) تدليس العطف:
صورته: أن يقول الراوي: (حدثنا فلان وفلان) وهو سمع الحديث من الأول، ولم يسمع من الثاني.
مثاله: أسند الحاكم (أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيْمٍ اجْتَمَعُوا يَوْمًا عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ؛ فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمُ الْيَوْمَ؟ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِي)[4].
(3) تدليس السكوت ويُسمَّى: (تدليس القطع):
صورته: أن يقول الراوي: (حدّثنا) أو: (سمعتُ) ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة أو قتادة، أو أي شيخ من الشيوخ، موهمًا بذلك أنه قد سمع الحديث منه.
مثاله: قال ابن سعد: (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ كان يدلس تدليسًا شديدًا وكان يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش)[5].
ثانيًا: تدليس في وسط الإسناد؛ وهو: تدليس التسوية.
صورته: أن يروي حديثًا عن شيخ ثقة غير مدلس، وذلك الثقة يروي هذا الحديث عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه عن الثقة الثاني بلفظ محتمل؛ فيسوي ويجود الإسناد كله بالثقات.
مثاله: حديث: «لا تَحْمَدوا إسلامَ امرئٍ حتى تَعرِفوا عُقْدَةَ رأيهِ».
قَالَ أَبو حاتم الرازي: (هَذَا الحديثُ لَهُ علَّةٌ قلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا: رَوَى هذا الحديثَ عُبَيدُ الله بنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ.
وعُبَيدُ الله بنُ عمرو كنيتُهُ أَبُو وَهْب، وَهُوَ أَسَدِيٌّ، فكأنَّ بَقِيَّةَ بن الوليد كنَّى عُبَيدَ الله بْنَ عَمْرٍو، ونَسَبه إِلَى بَنِي أَسَد؛ لِكَيْلا يُفْطَنَ بِهِ، حَتَّى إِذَا ترَكَ إسحاقَ ابنَ أَبِي فَرْوَة مِنَ الوسَطِ لا يُهتَدَى لَهُ)[6].
| بَقِيَّةُ بن الوليد | أَبُو وَهْب الأَسَدِيٌّ | ............... | نَافِعٌ | ابنُ عمر |
| بَقِيَّةُ بن الوليد | عُبَيدُ الله بنُ عمرو (أَبُو وَهْب الأَسَدِيٌّ) | إسحاقُ بنُ أَبِي فَرْوَة | نَافِعٌ | ابنُ عمر |