المقدمة – ابن الصلاح
الخامس: إذا أراد رواية ما سمعه على معناه دون لفظه: فإن لم يكن عالمًا عارفًا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها، فلا خلاف أنه لا يجوز له ذلك، وعليه أن لا يروي ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير.
فأما إذا كان عالمًا عارفًا بذلك، فهذا مما اختلف فيه السلف، وأصحاب الحديث، وأرباب الفقه، والأصول، فجوزه أكثرهم، ولم يجوزه بعض المحدثين، وطائفة من الفقهاء، والأصوليين من الشافعيين، وغيرهم. ومنعه بعضهم في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأجازه في غيره.
والأصح: جواز ذلك في الجميع، إذا كان عالمًا بما وصفناه قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة، والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ. (ص213 - 214)
نزهة النظر - ابن حجر
وأما الراوية بالمعنى؛ فالخلاف فيها شهير، والأكثر على الجواز أيضًا.
ومن أقوى حججهم: الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى؛ فجوازه باللغة العربية أولى. وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات! وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه. وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه، وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه؛ بخلاف من كان مستحضرًا للفظه. وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه،
ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه. قال القاضي عياض: «ينبغي سد باب الراوية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن؛ كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا»، والله الموفق. (ص97 - 98)
فتح المغيث - السخاوي
الفصل الثالث: (الرواية بالمعنى) والخلاف في ذلك، والاستحباب لمن روى به أن يأتي بما يدل عليه. (وليرو بالألفاظ) التي سمع بها مقتصرًا عليها بدون تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص لحرف فأكثر، ولا إبدال حرف أو أكثر بغيره، ولا مشدد بمخفف أو عكسه، (من) تحمل من غير التصانيف ممن (لا يعلم مدلولها) أي: الألفاظ في اللسان، ومقاصدها، وما يحيل معناها، والمحتمل من غيره، والمرادف منها، وذلك على وجه الوجوب بلا خلاف بين العلماء؛ لأن من اتصف بذلك لا يؤمن بتغييره من الخلل. (3/ 137)
تدريب الراوي – السيوطي
(الرابع: إن لم يكن الراوي عالمًا بالألفاظ) ومدلولاتها (ومقاصدها خبيرا بما يحيل معانيها) بصيرًا بمقادير التفاوت بينهما، (لم تجز له الرواية) لما سمعه (بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين اللفظ الذي سمعه.
فإن كان عالمًا بذلك، فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول: لا يجوز إلا بلفظه)، وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، وروي عن ابن عمر. (وجوز بعضهم في غير حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجوز فيه.
وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف) منهم الأئمة الأربعة: (يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع بأداء المعنى)؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة. ...وقيل: إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، وبه جزم ابن العربي في أحكام القرآن، قال: لأنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، والصحابة اجتمع فيهم أمران: الفصاحة والبلاغة جبلة، ومشاهدة أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة واستيفاء المقصود كله. (1/ 532 - 536)
تيسير مصطلح الحديث – محمود الطحان
رواية الحديث بالمعنى، وشروطها:
اختلف السلف في رواية الحديث بالمعنى، فمنهم من منعها، ومنهم من جوزها.
أ- فمنعها فريق من أصحاب الحديث والفقه والأصول، منهم ابن سيرين، وأبو بكر الرازي.
ب- وأجازها جمهور السلف والخلف من المحدثين، وأصحاب الفقه والأصول، منهم الأئمة الأربعة، لكن إذا قطع الراوي بأداء المعنى. ثم إن من أجاز الرواية بالمعنى، اشترط لها شروطًا، وهي:
1- أن يكون الراوي عالمًا بالألفاظ ومقاصدها.
2- أن يكون خبيرًا بما يحيل معانيها. (ص212)