المقدمة – ابن الصلاح
السابع: هل يجوز اختصار الحديث الواحد، ورواية بعضه دون بعض؟ اختلف أهل العلم فيه:
فمنهم من منع من ذلك مطلقًا، بناء على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقًا.
ومنهم من منع من ذلك، مع تجويزه النقل بالمعنى إذا لم يكن قد رواه على التمام مرة أخرى، ولم يعلم أن غيره قد رواه على التمام.
ومنهم من جوز ذلك وأطلق ولم يفصل. وقد روينا... عن مجاهد أنه قال: "انقص من الحديث ما شئت، ولا تزد فيه...".
والصحيح: التفصيل، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ما تركه متميزًا عمَّا نقله، غير متعلق به، بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، فهذا ينبغي أن يجوز، وإن لم يجز النقل بالمعنى؛ لأن الذي نقله والذي تركه -والحالة هذه- بمنزلة خبرين منفصلين في أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر.
ثم هذا إذا كان رفيع المنزلة، بحيث لا يتطرق إليه في ذلك تهمة، نقله أوَّلًا تمامًا، ثم نقله ناقصًا، أو نقله أوَّلًا ناقصًا، ثم نقله تامًّا. فأما إذا لم يكن كذلك، فقد ذكر الخطيب الحافظ: أن من روى حديثًا على التمام، وخاف إن رواه مرة أخرى على النقصان أن يتهم بأنه زاد في أول مرة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسي في الثاني باقي الحديث لقلة ضبطه، وكثرة غلطه، فواجب عليه أن ينفي هذه الظنة عن نفسه. (ص215 - 216)
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي
(قوله): السابع: هل يجوز اختصار الحديث تحري البخاري (وهو تحري مسلم، ويؤيده قوله بعده وعلى هذا كافة الناس ومذاهب الأئمة، وعليه صنف المصنفون كتبهم في الحديث على الأبواب، وفصلوا الحديث عليها، وأحسنَ ابنُ الحاجب في مختصره حيث قال: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثرين إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. (3/ 612 - 613)
نزهة النظر - ابن حجر
أما اختصار الحديث؛ فالأكثرون على جوازه، بشرط أن يكون الذي يختصره عالمًا؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه؛ بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل، فإنه قد ينقص ما له تعلق؛ كترك الاستثناء. (ص97)
فتح المغيث - السخاوي
الفصل الرابع: الاقتصار في الرواية على بعض الحديث، وربما عبر عنه بالاختصار مجازًا، وتفريق الحديث الواحد على الأبواب.
(وحذف) بالنصب مفعول مقدم (بعض المتن) أي: الحديث مما لا تعلق له بالمثبت (فامنع) إن كان لغير شك مطلقًا، سواء تقدمت روايته له تامًّا أم لا، كان عارفًا بما يحصل به الخلل في ذلك أم لا، بناء -كما قال ابن الصلاح ومن تبعه، وإن توقف فيه البدر بن جماعة- على منع الرواية بالمعنى مطلقًا؛ لأن رواية الحديث على النقصان، والحذف لبعض متنه، تقطع الخبر وتغيره عن وجهه، وربما حصل الخلل والمختصر لا يشعر. ...
[جواز اختصار الحديث مطلقًا]:
(أو) هو القول الثاني (أجز) ذلك مطلقًا احتاج إلى تغيير لا يخل بالمعنى أم لا، تقدمت روايته له تامًّا أم لا، لما سيجيء قريبًا، وبه قال مجاهد حيث قال: انقص من الحديث ما شئت، ولا تزد فيه. ونحوه قول ابن معين: إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد. ونسبه عياض لمسلم، والموجود عنه ما سيأتي.
[جواز اختصار الحديث مع الشروط]:
(أو) وهو القول الثالث: التفصيل، فأجزه (إن أتم) بضم أوله مبنيًّا للمفعول، إيراده منه أو من غيره مرة بحيث أمن بذلك من تفويت حكم أو سنة أو نحو ذلك، وإلا فلا، وإن جازت عند قائله -كما قال ابن الصلاح ومن تبعه- الرواية بالمعنى.
(أو) وهو القول الرابع بتفصيل آخر: فأجزه، كما ذهب إليه الجمهور، إن وقع (لعالم) عارف، وإلا فلا، (ومز). أي: ميز (ذا) القول عن سائرها بوصفه (بالصحيح إن يكن ما اختصره) بالحذف من المتن (منفصلًا عن) القدر (الذي قد ذكره) منه غير متعلق به، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما حذفه كالاستثناء، مثل قوله: (لا يباع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء). والغاية، مثل قوله: (لا يباع النخل حتى تزهى). والشرط ونحوها. (3/ 149 - 152)
فتح المغيث - السخاوي
تقطيع الحديث الواحد في الأبواب:
(أما إذا قطع) المتن الواحد المشتمل على عدة أحكام، كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه، (في الأبواب) المتفرقة بأن يورد كل قطعة منه في الباب المعقود لها، (فهو) كما قال ابن الصلاح ومن تابعه، يعني: إذا تجرد عن العوارض المتقدمة بأسرها، (إلى الجواز) من الخلاف (ذو اقتراب)، ومن المنع ذو ابتعاد. وصرح الرشيد العطار بالخلاف فيه، وأن المنع ظاهر صنيع مسلم، فإنه لكونه لم يقصد ما قصده البخاري من استنباط الأحكام يورد الحديث بتمامه من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه. مثل حديث فلان أو نحوه. ...
والتحقيق - كما أشار إليه ابن دقيق العيد في (شرح الإلمام) - التفصيل، فإن قطع بأنه لا يخل المحذوف بالباقي فلا كراهة، وإن نزل عن هذه المرتبة ترتبت الكراهة بحسب مراتبه في ظهور ارتباط بعضه ببعض وخفائه. (3/ 156 - 158)
تدريب الراوي – السيوطي
(الخامس: اختلف العلماء في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض) وهو المسمى باختصار الحديث (فمنعه بعضهم مطلقًا بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا) وإن رواه هو مرة أخرى أو غيره على التمام جاز (وجوزه بعضهم مطلقًا). قيل: وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقًا بالمأتي به، تعلقًا يخل بالمعنى حذفه، كالاستثناء والشرط والغاية ونحو ذلك، والأمر كذلك، فقد حكى الصفي الهندي الاتفاق على المنع حينئذ.
(والصحيح: التفصيل) وهو المنع من غير العالم (وجوازه من العارف إذا كان ما تركه) متميزًا عمَّا نقله (غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة) فيما نقله (بتركه، و) على هذا يجوز ذلك (سواء جوزناها بالمعنى، أم لا) سواء (رواه قبل تاما أم لا)؛ لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين. (1/ 539 - 540)
تدريب الراوي – السيوطي
(وأما تقطيع المصنف الحديث) الواحد (في الأبواب) بحسب الاحتجاج به في المسائل كل مسألة على حدة (فهو إلى الجواز أقرب) ومن المنع أبعد. (قال الشيخ) ابن الصلاح: (ولا يخلو من كراهة)، وعن أحمد: ينبغي أن لا يفعل، حكاه عنه الخلال. قال المصنف: (وما أظنه يوافق عليه) فقد فعله الأئمة مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم. (1/ 540 - 541)