المقدمة – ابن الصلاح
روينا عن صالح بن محمد الحافظ جزرة قال: أول من تكلم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم بعده أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وهؤلاء.
قلت: (وهؤلاء): يعني أنه أول من تصدى لذلك وعني به، وإلا فالكلام فيه جرحًا وتعديلًا متقدمٌ ثابتٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوز ذلك صونا للشريعة، ونفيا للخطأ والكذب عنها. (ص: 388- 389)
الشذا الفياح - الأبناسي
وليحذر المتصدي لذلك الأغراض والهوى
قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام، لكن النصيحة في الدين مطلوبة، وقد أوجب الله الكشف والبيان عن خبر الفاسق بقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} .
وقال صلى الله عليه وسلم: في الجرح "بئس أخو العشيرة"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
وقال في التعديل: (إن عبد الله رجل صالح)، وغير ذلك من صحيح الأخبار. وقد تكلم في الرجال جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ذكرهم الخطيب (2/ 742)
فتح المغيث - السخاوي
(ومع ذلك) أي: كون الجرح والتعديل خطرا فلابد منه (فالنصح) في الدين لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين (حق) واجب يثاب متعاطيه إذا قصد به ذلك، سواء كانت النصيحة خاصة أو عامة، وهذا منه لقول الإمام أحمد لأبي تراب النخشبي حين عزله عن ذلك بقوله: (لا تغتب الناس، ويحك، هذه نصيحة، وليست غيبة) ، وقد قال الله تعالى: {وقل الحق من ربكم} [الكهف: 29] (4/ 351)
فتح المغيث - السخاوي
وأوجب الله الكشف والتبين عند خبر الفاسق بقوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الجرح: «بئس أخو العشيرة». وفي التعديل: ( «إن عبد الله رجل صالح» ) إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة في الطرفين.
ولذا استثنوا هذا من الغيبة المحرمة، وأجمع المسلمون على جوازه، بل عد من الواجبات للحاجة إليه، ومن صرح بذلك النووي والعز بن عبد السلام، ولفظه في قواعده: القدح في الرواة واجب ; لما فيه من إثبات الشرع، ولما على الناس في ترك ذلك من الضرر في التحريم والتحليل وغيرهما من الأحكام، وكذلك كل خبر يجوز الشرع الاعتماد عليه والرجوع إليه، وجرح الشهود واجب عند الحكام عند المصلحة ; لحفظ الحقوق من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع والأنساب وسائر الحقوق. (4/ 352)
فتح المغيث - السخاوي
(ولقد أحسن) الإمام (يحيى) بن سعيد القطان (في جوابه) لأبي بكر بن خلاد حين قال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ (وسد) بمهملتين ; أولاهما مفتوحة، أي: وفق للسداد، وهو الصواب والقصد من القول والعمل حيث قال: (لأن يكونوا) أي: المتروكون (خصماء لي أحب) إلي (من كون خصمي المصطفى) صلى الله عليه وسلم (إذ لم أذب) بفتح الهمزة وضم الذال المعجمة ثم موحدة، أي: أمنع الكذب عن حديثه وشريعته ; ولذا رأى رجل عند موت ابن معين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مجتمعين، فسألهم عن سبب اجتماعهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (جئت لأصلي على هذا الرجل فإنه كان يذب الكذب عن حديثي) (4/ 357- 358)
تدريب الراوي – السيوطي
(وجوز الجرح والتعديل صيانة للشريعة) وذبا عنها، قال تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] .
وقال - صلى الله عليه وسلم - في التعديل: «إن عبد الله رجل صالح» . ،
وفي الجرح «بئس أخو العشيرة»، وقال: «حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر، هتكوه يحذره الناس».
وتكلم في الرجال جمع من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. (2/ 891)
الوسيط في علوم ومصطلح الحديث - أبو شُهبة
الجرح جائز وإن تضمن الغيبة، وهتك ستر المسلم، وإيغار صدره وغير ذلك مما نهى الشارع عنه، وذلك صيانة للشريعة من الدخل والزائف؛ لأنه لو لم يجز لم يتميز الصادق من الكاذب والفاسق من العدل، والمغفل من الضابط، ولاختلطت الأحاديث الصحيحة بالضعيفة والموضوعة والتبس الحق بالباطل، ولقامت الملاحدة والزنادقة من كل جانب للإفساد في الشريعة والتزيد فيها فهو من فروع قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"
ويدل على جوازه بل وجوبه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}،
وفي السنة أدلة كثيرة منها: ما روي أن رجلا استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ائذنوا له بئس أخو العشيرة" رواه البخاري ومسلم
وعن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا رواه البخاري والمراد بهما رجلان من المنافقين،
وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما معاوية فصعلوك -يعني فقير- وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه" ، رواه البخاري ومسلم.
إلى غير ذلك من النصوص (ص385- 386)
الوسيط في علوم ومصطلح الحديث - أبو شُهبة
قد تكلم في الجرح بعض الصحابة كما تكلم فيه التابعون ومن جاء بعدهم وهذا إجماع منهم على أن هذا ليس من الغيبة المحرمة قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه "رياض الصالحين" اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو بستة أسباب. إلى أن قال: الرابع تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إبداعه، أو معاملته، أو غير ذلك أن مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة ومنها إذا رأى متفقهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك". (ص 386)
منهج النقد في علوم الحديث- نور الدين عتر
علم الجرح والتعديل ميزان رجال الرواية، يثقل بكفته الراوي فيقبل، أو تخف موازينه فيرفض، وبه نعرف الراوي الذي يقبل حديثه ونميزه عمن لا يقبل حديثه. ومن هنا اعتنى به علماء الحديث كل العناية، وبذلوا فيه أقصى جهد، وانعقد إجماع العلماء على مشروعيته، بل على وجوبه للحاجة الملجئة إليه. قال بعض الصوفيين لعبد الله بن المبارك: أتغتاب؟ قال: "اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل" (ص92)