المقدمة / ابن الصلاح
رُوِّينَا عن يونسَ بنِ عبد الأعلى، قال: قال الشافعي رضي الله عنه: " ليس الشاذ من الحديث أن يَروي الثقةُ ما لا يروي غيرُه، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس ".
وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال: " الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.
وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة. وذكر أنه يغاير المعللَ من حيث إن المعلل وُقِفَ على علته الدالةِ على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يُوقَفْ فيه على علته كذلك.
قلت: أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول.
وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " فإنه حديث فردٌ تفرد به عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تفرد به عن عمرَ علقمةُ بنُ وقاص، ثم عن علقمةَ محمدُ بنُ إبراهيم، ثم عنه يحيى بنُ سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث.
وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته ".، تفرد به عبد الله بن دينار.
وحديث مالك، عن الزهري، عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر ". تفرد به مالك عن الزهري.
فكل هذه مخرجة في الصحيحين، مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة، وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة. وقد قال مسلم بن الحجاج: " للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد ". والله أعلم.
فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول:
إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مزحزحًا له عن حيز الصحيح.
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدًا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر.
فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم.
(ص: 76- 79)
فتح المغيث / السخاوي
معنى الشاذ لغة واصطلاحًا والخلاف فيه:
الشاذ لغة: المنفرد عن الجمهور، يقال: شذ يشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذًا إذا انفرد، (وذو الشذوذ) يعني: الشاذ.
اصطلاحًا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (المَلَا) بالهمز، وسهل تخفيفًا، أي: الجماعة الثقات من الناس، بحيث لا يمكن الجمع بينهما.
(فالشافعي) بهذا التعريف (حققه) ، وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز وغيره عن المحققين; لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وهو مشعر بأن مخالفته للواحد الأحفظ كافية في الشذوذ، وفي كلام ابن الصلاح ما يشير إليه; حيث قال: (فإن كان مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا) .
ولذا قال شيخنا: (فإن خولف - أي: الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات - فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح، يقال له: الشاذ) .
ومن هنا يتبين أنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين، بل إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قدم، وكذا بالعكس...
(والحاكم) صاحب المستدرك والمعرفة (الخلاف) للغير (فيه) أي: في الشاذ (ما اشترط) بل هو عنده ما انفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة، فاقتصر على قيد الثقة وحده، وبين ما يؤخذ منه أنه يغاير المعلل ; من حيث إن ذاك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، من إدخال حديث في حديث، أو وصل مرسل، أو نحو ذلك، كما سيأتي.
والشاذ لم يوقف له على علة، أي: معينة; وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وإنه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون. وهو كذلك، بل الشاذ - كما نسب لشيخنا - أدق من المعلل بكثير.
ثم إن الحاكم لم ينفرد بهذا التعريف، بل قال النووي في شرح المهذب: " إنه مذهب جماعات من أهل الحديث، قال: وهذا ضعيف ".
(وللخليلي) نسبة لجده الأعلى; لأنه الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل القزويني، وهو قول ثالث فيه (مفرد الراوي فقط) ثقة كان أو غير ثقة، خالف أو لم يخالف، فما انفرد به الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به، ولكن يصلح أن يكون شاهدًا، وما انفرد به غير الثقة فمتروك.
والحاصل - كما قال شيخنا - من كلامهم: أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم ; لأنه يخرج تفرد غير الثقة، ويلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وهو ما لا يكون فردًا، بل اعتمد ذلك في صنيعه، حيث ذكر في أمثلة الشاذ حديثًا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ.
وأخص منه كلام الشافعي؛ لتقييده بالمخالفة، مع كونه يلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى، وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة؟ محل توقف، أشير إليه في الكلام على الصحيح، وإنه يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم مع كونه في الصحيح، فإنه موافق على صحته، إلا أنه يسميه شاذًّا، ولا مشاحة في التسمية.
الرد على الحاكم والخليلي:
(و) لكن (رد) ابن الصلاح (ما قالا) أي: الحاكم والخليلي (بفرد الثقة) المخرج في كتب الصحيح المشترط فيه نفي الشذوذ، لكون العدد غير شرط فيه على المعتمد، بل الصحة تجامع الغرابة.
وأمثلة ذلك فيها كثيرة ; (كـ) حديث «النهي عن بيع الولا» بالقصر للضرورة (والهبة); فإنه لم يصح إلا من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، حتى قال مسلم عقبه: الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه، وحديث ابن عيينة المخرج في الصحيحين عن عمرو بن دينار، عن أبي العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمر في حصار الطائف تفرد به ابن عيينة، عن عمرو، وعمرو عن أبي العباس، وأبو العباس عن ابن عمر.
(و) كذا رده بـ (قول مسلم) هو ابن الحجاج في الأيمان والنذور من (صحيحه) (روى الزهري) نحو (تسعين) بتقديم المثناة (فردًا) لا يشاركه أحد في روايتها (كلها) إسنادها (قوي) هذا مع إمكان الجواب عن الحاكم بما أشعر به اقتصاره على جهة واحدة في المغايرة بينه وبين المعلل من كون الشاذ أيضًا ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، حيث يقال: ما في الصحيح من الأفراد منتف عنه ذلك.
وأما الخليلي فليس في كلامه ما ينافي ذلك أيضًا، لا سيما وليس هو ممن يشترط العدد في الصحيح.
القول المختار في هذه المسألة:
(و) بعد أن رد ابن الصلاح كلامهما (اختار) مما استخرجه من صنيع الأئمة (فيما لم يخالف) الثقة فيه غيره، وإنما أتى بشيء انفرد به (أن من يقرب من ضبط) تام (ففرده حسن) .
ومنه حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء، قال: غفرانك» ، فقد قال الترمذي عقب تخريجه: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بردة، قال: ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة.
(أو بلغ الضبط) التام (فصحح) فرده، وقد تقدم مثاله، (أو بعد) عنه بأن لم يكن ضابطًا أصلًا (ف) فرده (مما شذ فاطرحه ورد) ما وقع لك منه، وأمثلته كثيرة.
وحينئذ فالشاذ المردود - كما قاله ابن الصلاح - قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، وهو الذي عرفه الشافعي.
وثانيهما: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. انتهى.
وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذًّا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللًا، وذلك فيهما مناف لغموضهما، فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه، كما أن الأليق في الحسن ما اقتصر عليه الترمذي.
(1/ 244- 249)
فتح المغيث - السخاوي
معنى الشاذ لغة واصطلاحًا والخلاف فيه:
والشاذ لغة: المنفرد عن الجمهور، يقال: شذ يشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذًا إذا انفرد، (وذو الشذوذ) يعني الشاذ اصطلاحًا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (المَلَا) بالهمز وسهل تخفيفًا، أي: الجماعة الثقات من الناس، بحيث لا يمكن الجمع بينهما. (1/ 244)
تدريب الراوي / السيوطي
النوع الثالث عشر: الشاذ
وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز: ما روى الثقة مخالفًا لرواية الناس، لا أن يروي الثقة (ما لا يروي غيره) هو من تتمة كلام الشافعي.
(قال) الحافظ أبو يعلى (الخليلي: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان) منه (عن غير ثقة فمتروك) لا يقبل، (وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به) .
فجعل الشاذ مطلق التفرد، لا مع اعتبار المخالفة.
(وقال الحاكم: هو ما انفرد به ثقة، وليس له أصل بمتابع) لذلك الثقة.
قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وُقِفَ على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يُوقَفْ فيه على علة كذلك.
فجعل الشاذ تفرد الثقة، فهو أخص من قول الخليلي.
(1/ 267- 268)
تيسير مصطلح الحديث – محمود الطحان
تعريف الشاذ:
أ- لغة: اسم فاعل، من "شذ" بمعنى "انفرد"، فالشاذ معناه: "المنفرد عن الجمهور".
ب- اصطلاحًا: ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه. شرح التعريف: المقبول هو: العدل الذي تم ضبطه، أو العدل الذي خف ضبطه، والذي هو أولى منه: هو الراوي الذي يكون أرجح منه؛ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات. (ص: 123).
تحرير علوم الحديث / عبد الله بن يوسف الجديع
الشذوذ هو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه، وقعت المخالفة في المتن أو السند.
والأقوى منه قد يكون ثقة آخر، وقد يكون عددًا حاصلًا بمجموعهم رجحان إتقانهم على إتقانه.
كما أنه إذا وقع فقد يكون في سند أو بعض سند، ومتن أو بعض متن.
وقد عرفه الشافعي بقوله: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاًًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثًا فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم".
وعرفه الحاكم بقوله: " حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة ".
ثم استدل بتعريف الشافعي للشاذ، وبين التعريفين مفارقة، وهي أن الشافعي اشترط لصحة الوصف بالشذوذ المخالفة من قبل الثقة، واقتصر الحاكم على مجرد تفرد الثقة بما لم يأت عن غيره.
والتحقيق: أن تعريف الشافعي يبطل تعريف الحاكم الذي استشهد به، فإنه نفى أن يكون الشذوذ تفرد الثقة، والحاكم يجعله تفرد الثقة، وأكده بالمثال الذي مثل به، وهو حديث معاذ بن جبل في جمع الصلاتين في غزوة تبوك، وهو حديث لم تأت في إسناده ولا في متنه مخالفة من ثقة، ولكنه حديث فرد.
والحاكم حكم عليه بالشذوذ، بل زعم أن الحديث موضوع، مع أنه قال: " لا نعرف له علة نعلله بها".
والتحقيق: أن تفرد الثقة بحديث من غير مخالفة لا يعد من الشذوذ، بل وقوع المخالفة شرط في الشذوذ، أو ما ينزل منزلة المخالفة، كزيادة الثقة المتوسط الرفع أو الوصل وليس محله في الإتقان محل من تسلم زيادته على من لم يأت بها، هذه هي القاعدة.
(2/ 1018- 1019)