المقدمة / ابن الصلاح
رُوِّينَا عن أبي سليمان الخطابي - رحمه الله - أنه قال بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي قدمنا ذكرها:
" الحسن: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ". قال: " وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء ".
ورُوِّينَا عن أبي عيسى الترمذي رضي الله عنه أنه يريد بالحسن: " أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثًا شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك ".
وقال بعض المتأخرين: " الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، ويصلح للعمل به ".
قلت: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح.
وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقع استعمالهم، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان:
أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي: لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكرًا، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ومنكرًا - سلامته من أن يكون معللًا.
وعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي.
فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك، وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع الآخر، مقتصرًا كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل، معرضًا عما رأى أنه لا يشكل. أو أنه غفل عن البعض وذهل، والله أعلم، هذا تأصيل ذلك.
(ص: 29- 32)
الموقظة / الذهبي
الحسن: وفي تحرير معناه اضطراب. فقال الخطابي رحمه الله: "هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث. وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء". وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات؛ إذ الصحيح ينطبق ذلك عليه أيضًا، لكن مراده: مما لم يبلغ درجة الصحيح.
فأقول: الحسن: ما ارتقى عن درجة الضعيف، ولم يبلغ درجة الصحة.
وإن شئت قلت: "الحسن: ما سلم من ضعف الرواة"، فهو حينئذ داخل في قسم الصحيح. وحينئذ يكون الصحيح مراتب كما قدمناه، والحسن ذا رتبة دون تلك المراتب، فجاء الحسن مثلًا في آخر مراتب الصحيح.
وأما الترمذي، فهو أول من خص هذا النوع باسم (الحسن) . وذكر أنه يريد به: أن يسلم راويه من أن يكون متهمًا، وأن يسلم من الشذوذ، وأن يروى نحوه من غير وجه. وهذا مشكل أيضًا على ما يقول فيه: (حسن، غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) .
وقيل: الحسن: ما ضعفه محتمل، ويسوغ العمل به. وهذا أيضًا ليس مضبوطًا بضابط يتميز به الضعف المحتمل.
وقال ابن الصلاح - رحمه الله -: "إن الحسن قسمان:
أحدهما: ما لا يخلو سنده من مستور لم تتحقق أهليته، لكنه غير مغفل، ولا خطاء، ولا متهم. ويكون المتن مع ذلك عرف مثله أو نحوه من وجه آخر اعتضد به.
وثانيهما: أن يكون راويه مشهورًا بالصدق والأمانة، لكنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان. وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد تفرده منكرًا، مع عدم الشذوذ والعلة".
فهذا عليه مؤاخذات. وقد قلت لك: إن الحسن ما قصر سنده قليلًا عن رتبة الصحيح، وسيظهر لك بأمثلة.
ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه، وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق.
(ص: 26- 29)
النكت على مقدمة ابن الصلاح / الزركشي
النوع الثاني: معرفة الحسن
قوله: عن الخطابي: الحسن: ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، إلى آخره،
فيه أمور:
أحدها: احترز بقوله: (عرف مخرجه) عن المنقطع الذي لم يعرف مخرجه
وبقوله: (واشتهر رجاله) عن حديث المدلس قبل أن يتبين تدليسه،
والمراد بالاشتهار: السلامة من وصمة التكذيب.
الثاني: ما ذكره من الاشتهار خلاف الموجود بخط الجياني، قد نقل أبو عبد الله ابن رشيد فيما وجد بخط الجياني (واستقر حاله بمعان من الاستقرار) وتحت الحاء علامة الإهمال، لكن المناقشة في مثل هذا قريبة، ورواية ابن الصلاح أوضح.
الثالث: أنه حدٌّ مدخولٌ؛ فإن الصحيح أيضًا عرف مخرجه واشتهر رجاله بالصحة، وكذلك الضعيف بالضعف، فلعل مراده: ما لم يبلغ درجة الصحيح؛ لئلا يدخل الصحيح في حد الحسن، قاله الشيخ أبو الفتح القشيري،
قال التبريزي: فيه نظر؛ لأنه سيقول: إن الصحيح أخص من الحسن، ودخول الخاص في حد العام ضروري، والتقييد بما يخرجه مخل بالحد،
قلت: هذا إن جعلنا الحد عند قوله: (واشتهر رجاله)، وهو الظاهر؛ فإن ما بعده أحكام؛ لأن قبول الحديث والاحتجاج به فرع ثبوت حسنه، ويدل له تكراره، قال: فإن جعلنا ما بعده من تمام الحد انتفى الإيراد، لكن يخلفه إشكال آخر، وهو: منع أن يكون الحسن كذلك إلا أن يريد بكثرة مدار الحديث بالنسبة إلى كثرة الطرق؛ فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح.
الرابع: قوله: (وهو الذي يقبله أكثر العلماء) استشكل الشيخ في الاقتراح الاحتجاج بالحسن، وقال: إن ها هنا أوصافًا يجب معها قبول الرواية إذا وجدت في الراوي، فإما أن يكون هذا الحديث المسمى بالحسن الذي وجدت فيه هذه الصفات على أقل الدرجات التي يجب معها القبول أو لا، فإن وجدت فذلك صحيح، فإن لم توجد فلا يجوز الاحتجاج به، وإن سمي حسنًا، اللهم إلا أن يرد هذا إلى أمر اصطلاحي، وهو أن يقال: إن الصفات التي يجب معها قبول الرواية لها مراتب ودرجات، فأعلاها هو الصحيح، وكذلك أوسطها وأدناها الحسن، وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح، ويكون الكل صحيحًا في الحقيقة، والأمر في الاصطلاح قريب، لكن من أراد هذه الطريقة فعليه أن يعتبر ما سماه أهل الحديث حسنًا، وتحقيق وجود الصفات التي يجب معها قبول الرواية في تلك الأحاديث.
(1/ 304- 306)
النكت على مقدمة ابن الصلاح / الزركشي
قوله: (ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب): احترز به عما في سنده متهم؛ فإنه ضعيف، وقوله: (من لا يتهم بالكذب) يتناول مشهور العدالة، لكنه غير مراد، بل المراد: المستور،
واحترز بقوله: (ولا يكون حديثا شاذًّا) عن الشاذ، وهو: ما خالف فيه الثقة روايات الثقات.
وقوله: (ويروى من غير وجه) عما لم يرد إلا من وجه واحد؛ فإنه لا يكون حسنًا؛ لأن تعدد الروايات يقوي ظن الصحة واتحادها، مما يؤثر ضعفًا فإنه إذا روي من وجهين مختلفين علم أنه محفوظ له أصل إذا لم تكن إحدى الطريقين آخذة عن الأخرى، ثم قد يكون غريب الإسناد، فيكون ذلك الإسناد غريبًا، وقد يكون مع ذلك يروى من وجه ثالث صحيح، فيكون صحيحًا حسنًا غريبًا، وحاصله: اعتبار ثلاثة شروط للحسن
قال بعض المحققين: ولم يف الترمذي بهذا الشرط في الحسن، وقد حكم بحسن أحاديث لم تجمع هذه الصفات.
قلت: ومنه قوله: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فأين هذا من قوله: (ويروى من غير وجه).
إذا علمت ذلك فهذا الحد معترض بأمور:
أحدها: أن الصحيح أيضًا شرطه ألا يكون شاذًّا، ولا يكون في رجاله متهم، إلا أن يفرق بينهما بأن الشرط في الصحيح تعديل الرواة، وهنا عدم تفسيقهم، وفيه نظر.
الثاني: أن روايته من غير وجه لا يشترط في الصحيح، فكيف الحسن؟ فعلى هذا: الأفراد الصحيحة ليست بحسنة عند الترمذي؛ إذ يشترط عنده في الحسن أن يروى من غير وجه، كحديث (الأعمال بالنيات) وحديث (السفر قطعة من العذاب) وحديث (نهى عن بيع الولاء وهبته)، لكن الظاهر أن الترمذي إنما يشترط في الحسن مجيئه من وجه آخر إذا لم يبلغ رتبة الصحيح، فإن بلغها لم يشترط ذلك؛ بدليل قوله في مواضع: (هذا حديث حسن صحيح غريب) فلما ارتفع إلى درجة الصحة أثبت له العدالة باعتبار فرديته، والحاصل: أن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور، وإن لم تثبت عدالته وأكثر ما في الباب أن الترمذي عرف بنوع منه، لا بكل أنواعه، وأيضًا فيشكل على قوله في مواضع: (هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه) إلا أن يريد اللفظ دون اعتبار الشاهد للمعنى توفيقًا بين كلاميه.
الثالث: قال الحافظ أبو عبد الله بن المواق: لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحًا حتى يكون رواته غير متهمين، بل ثقات، قال: وظهر بهذا أن الحسن عنده صفة لا تخص هذا القسم، بل قد يشركه فيه الصحيح، قال: فكل صحيح عنده حسن، وليس كل حسن صحيحًا.
(1/ 307- 310)
النكت على كتاب ابن الصلاح / ابن حجر
النوع الثاني: الحسن
قوله: (قال الخطابي ... ) الخ نازعه الشيخ تقي الدين بن تيمية فقال: "إنما هذا اصطلاح للترمذي، وغير الترمذي من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة الصحيح، ثم قد يكون متروكًا وهو أن يكون راويه متهمًا أو كثير الغلط، وقد يكون حسنًا بأن لا يتهم بالكذب"، قال: "وهذا معنى قول أحمد: العمل بالضعيف أولى من القياس".
قال: "وهذا كضعف المريض فقد يكون ضعفه قاطعًا فيكون صاحب فراش عطاياه من الثلث، وقد يكون ضعفًا غير قاطع له فيكون عطاؤه من رأس المال، كوجع الضرس والعين. ونحو ذلك ... " انتهى.
ويؤيده قول البيهقي في رسالته إلى أبي محمد الجويني: "الأحاديث المروية ثلاثة أنواع:
1- نوع اتفق أهل العلم على صحته.
2- ونوع اتفقوا على ضعفه.
3- ونوع اختلفوا في ثبوته، فبعضهم صححه وبعضهم يضعفه لعلة تظهر له بها، إما أن يكون خفيت العلة على من صححه، وإما أن يكون لا يراها معتبرة قادحة.
قلت: وأبو الحسن ابن القطان في (الوهم والإيهام) يقصر نوع الحسن على هذا، كما سيأتي البحث فيه في قول المصنف: إن الحسن يحتج به.
قوله: (وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطابي النوع الآخر، مقتصرًا كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل ... الخ".
أقول: بين الترمذي والخطابي في ذلك فرق، وذلك أن الخطابي قصد تعريف الأنواع الثلاثة عند أهل الحديث، فذكر الصحيح، ثم الحسن، ثم الضعيف.
وأما الذي سكت عنه وهو: حديث المستور إذا أتى من غير وجه، فإنما سكت عنه؛ لأنه ليس عنده من قبيل الحسن.
فقد صرح بأن رواية المجهول من قسم الضعيف، وأطلق ذلك ولم يفصل، والمستور قسم من المجهول.
وأما الترمذي فلم يقصد التعريف بالأنواع المذكورة عند أهل الحديث؛ بدليل أنه لم يعرف بالصحيح ولا بالضعيف بل ولا بالحسن المتفق على كونه حسنًا، بل المعرف به عنده وهو حديث المستور - على ما فهمه المصنف - لا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن، وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ والموصوف بالغلط والخطأ وحديث المختلط بعد اختلاطه والمدلس إذا عنعن وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي:
1- أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب.
2- ولا يكون الإسناد شاذًّا.
3- وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدًا، وليس كلها في المرتبة على حد السواء، بل بعضها أقوى من بعض.
ومما يقوي هذا ويعضده: أنه لم يتعرض لمشروطية اتصال الإسناد أصلًا، بل أطلق ذلك؛ فلهذا وصف كثيرًا من الأحاديث المنقطعة بكونها حسانًا.
(1/ 385- 388)
فتح المغيث / السخاوي
الحسن لما كان بالنظر لقسميه الآتيين تتجاذبه الصحة والضعف - اختلف تعبير الأئمة في تعريفه، بحيث أفرد فيه بعض متأخري شيوخ شيوخنا رسالة، فقيل: هو (المعروف مخرجًا) أي: المعروف مخرجه، وهو كونه شاميًّا، عراقيًّا، مكيًّا، كوفيًّا، كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفًا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها، وكذا المدلس - بفتح اللام - وهو الذي سقط منه بعضه، مع إيهام الاتصال.
(وقد اشتهرت رجاله) بالعدالة، وكذا الضبط المتوسط بين الصحيح والضعيف، ولا بد مع هذين الشرطين ألا يكون شاذًّا ولا معللًا، لكن (بذاك) أي بما تقدم من الاتصال والشهرة (حد الإمام) الحافظ الفقيه أبو سليمان (حَمْدُ) - بدون همزة، وقيل: بإثباتها، ولا يصح - ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي الشافعي، مصنف أعلام الجامع الصحيح للبخاري، ومعالم السنن لأبي داود وغيرهما، وأحد شيوخ الحاكم، مات بـ " بُسْت " في ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (388هـ) .
كما عرف الصحيح بأنه: (ما اتصل سنده، وعدلت نقلته)، غير متعرض لمزيد، ولأجل تعريفه له في معالمه بجانبه نَوَّع العبارة، وتعين حمل الاشتهار فيه على المتوسط كما قررته.
وتقوى به قول ابن دقيق العيد: وكأنه - أي: الخطابي - أراد ما لم يبلغ مرتبة الصحيح قال: (وإلا فليس في عبارته كبير تلخيص لدخول الصحيح في التعريف; لأنه أيضا قد عرف مخرجه، واشتهر رجاله) .
هذا مع أن التاج التبريزي ألزم ابن دقيق العيد بانتقاده إدخال الصحيح في الحسن، مع قوله في الجواب عن استشكال جمع الترمذي بين الحسن والصحة - كما سيأتي -: كل صحيح حسن - التناقض.
وقال: (إن دخول الخاص، وهو هنا الصحيح، في حد العام ضروري، والتقييد بما يخرجه عنه مخل للحد) . وقال الشارح: (إنه متجه) . انتهى.
وبه أيضًا اندفع الاعتراض، وحاصله: أن ما وجدت فيه هذه القيود كان حسنًا، وما كان فيه معها قيد آخر يصير صحيحًا، ولا شك في صدق ما ليس فيه على ما فيه، إذا وجدت قيود الأول، لكن قال شيخنا: إن هذا كله بناء على أن الحسن أعم مطلقًا من الصحيح.
أما إذا كان من وجه - كما هو واضح لمن تدبره - فلا يرد اعتراض التبريزي; إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجه، أن يكون أخص منه مطلقًا، حتى يدخل الصحيح في الحسن. انتهى.
وبيان كونه وجيهًا فيما يظهر: أنهما يجتمعان فيما إذا كان الصحيح لغيره، والحسن لذاته، ويفترقان في الصحيح لذاته، والحسن لغيره، ويعبر عنه بالمباينة الجزئية.
ثم رجع شيخنا، فقال: (والحق أنهما متباينان; لأنهما قسيمان في الأحكام، فلا يصدق أحدهما على الآخر ألبتة).
قلت: ويتأيد التباين بأنهما وإن اشتركا في الضبط، فحقيقته في أحدهما غير الأخرى; لما تقرر في المُشَكَّكِ من اختلاف أفراده، وأن من أقسامه كون معنى الشيء في بعض أفراده أشد من الآخر، وتمثيل ذلك ببياض الثلج والعاج على ما بُسِط في محاله .
وهو مثل من جعل المباح من جنس الواجب؛ لكون كل منهما مأذونًا فيه، وغفل عن فَصْلِ المباح، وهو عدم الذم لتاركه، فإن من جعل الحسن من جنس الصحيح للاجتماع في القبول - غفل عن فصل الحسن، وهو قصور ضبط راويه.
على أنه نقل عن شيخنا - مما لم يصح عندي - الاعتناء بابن دقيق العيد بأنه إنما ذكر أن الصحيح أخص استطرادًا وبحثًا، بخلاف مناقشته مع الخطابي، فهي في أصل الباب، وما يكون في بابه هو المعتمد، وليس بظاهر، بل الكلامان في باب واحد.
(وقال) الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (الترمذي) بكسر المثناة والميم، وقيل: بضمهما وقيل: بفتح ثم كسر، كلها مع إعجام الذال، نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ، أحد تلامذة البخاري، الآتي ذكره في تاريخ الرواة والوفيات في العلل التي بآخر (جامعه) مما حاصله: وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فهو عندنا (ما سلم من الشذوذ) يعني بالتفسير الماضي في الصحيح (مع راو) أي: مع أن رواة سنده كل منهم.
(ما اتهم بكذب) فيشمل ما كان بعض رواته سيئ الحفظ ممن وصف بالغلط أو الخطأ، أو مستورًا لم ينقل فيه جرح ولا تعديل، وكذا إذا نقلا ولم يترجح أحدهما على الآخر، أو مدلسًا بالعنعنة، أو مختلطًا بشرطه ; لعدم منافاتهما اشتراط نفي الاتهام بالكذب.
ولأجل ذلك، مع اقتضاء كل منهما التوقف عن الاحتجاج به ; لعدم الضبط في سيئ الحفظ والجهل بحال المستور والمدلس، وكذا لشموله ما به انقطاع بين ثقتين حافظين، والمرسل الذي يرسله إمام حافظ ; لعدم اشتراطه الاتصال - اشترط ثالثًا فقال: (ولم يكن فردًا ورد) .
بل جاء أيضًا من وجه آخر فأكثر، فوقه أو مثله لا دونه; ليترجح به أحد الاحتمالين; لأن سيئ الحفظ مثلًا حيث يروي يحتمل أن يكون ضبط المروي، ويحتمل ألا يكون ضبطه، فإذا ورد مثل ما رواه أو معناه من وجه آخر، غلب على الظن أنه ضبط.
وكلما كثر المتابع، قوي الظن، كما في أفراد المتواتر ; فإن أولها من رواية الأفراد، ثم لا تزال تكثر إلى أن يقطع بصدق المروي، ولا يستطيع سامعه أن يدفع ذلك عن نفسه.
على أنه يمكن إخراج اشتراط الاتصال من اشتراط عدم الاتهام في رواته ; لتعذر الحكم به مع الانقطاع، كما مضى في تعذر معرفة المخرج معه، ولكن ما جزمت به هو المطابق لما في جامعه، فقد حكم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث، بل وكذا في كل ما لا ينافيه نفي الاتهام مما صرحت به.
وحينئذ فقد تبين عدم كون هذا التعريف جامعًا للحسن بقسميه، فضلًا عن دخول الصحيح بقسميه، وإن زعمه بعضهم، فراويه لا يكتفى في وصفه بما ذكر، بل لا بد من وصفه بما يدل على الإتقان.
(قلت و) مع اشتراط الترمذي عدم التفرد فيه (قد حسن) في جامعه (بعض ما انفرد) راويه به من الأحاديث بتصريحه هو بذلك، حيث يورد الحديث، ثم يقول عقبه: (إنه حسن غريب)، أو (حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه).
ولكن قد أجاب عنه ابن سيد الناس: بأنه عَرَّفَ ما يقول فيه: (حسن) فقط، من غير صفة أخرى، لا الحسن مطلقًا.
وتبعه شيخنا، مع تردده في سبب اقتصاره عليه، وإنه إما لغموضه، أو لأنه اصطلاح جديد له، وهو الذي اقتصر عليه ابن سيد الناس، بل خصه بـ (جامعه) فقط، وقال: إنه لو حكم في غيره من كتبه على حديث بأنه حسن، وقال قائل: ليس لنا أن نفسر الحسن هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان، لكان له ذلك.
ولكن يتأيد الأول بقول المصنف في الكبير: الظاهر أنه لم يرد بقوله: " عندنا " حكاية اصطلاحه مع نفسه، وإنما أراد عند أهل الحديث ; كقول الشافعي: وإرسال ابن المسيب عندنا، أي: أهل الحديث، فإنه كالمتفق عليه بينهم. انتهى.
ويبعده قوله: (وما ذكرنا) ، وكذا قوله: " فإنما أردنا به "، وحينئذ فالنون لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، عملًا بقوله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11] مع الأمن من الإعجاب ونحوه، المذموم معه مثل هذا، لا سيما والعرب - كما في البخاري في: إنا أنزلناه من التفسير - تؤكد فعل الواحد، فتجعله بلفظ الجميع ; ليكون أثبت وأوكد، وعلى كل حال فما اقتصر عليه الترمذي أليق، كما سيأتي في الشاذ.
(وقيل) : مما عزاه ابن الصلاح لبعض المتأخرين مريدًا به الحافظ أبا الفرج بن الجوزي، حيث قال في تصنيفيه (الموضوعات والعلل المتناهية): (الحسن: ما فيه ضعف قريب محتمَل) بفتح الميم (فيه).
وهذا كلام صحيح في نفسه، لكنه ليس على طريقة التعاريف; فإن هذه صفة الحسن الموصوف بالحسن إذا اعتضد بغيره، حتى لو انفرد لكان ضعيفًا، واستمر على عدم الاحتجاج به، على أنه يمكن أن يقال: إنه صفة الحسن مطلقًا، فالحسن لذاته إذا عارض الصحيح كان مرجوحًا، والصحيح راجحًا، فضعفه بالنسبة لما هو أرجح منه، والحسن لغيره أصله ضعيف، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده، فاحتمل لوجود العاضد، ولولا العاضد لاستمرت صفة الضعف فيه.
ولكن مع ما تكلفناه في هذه الأقوال الثلاثة (ما بكل ذا) أي: ما تقدم (حد) صحيح جامع للحسن (حصل) ، بل هو مستبهم لا يشفي الغليل، يعني: لعدم ضبط القدر المحتمل من غيره بضابط في آخرها، وكذا في الشهرة في أولها، ولغير ذلك فيهما، وفي تعريف الترمذي، زعم بعض الحفاظ أنه أجودها، ولذلك قال ابن دقيق العيد: إن في تحقيق معناه اضطرابًا.
(1/ 85- 91)
تدريب الراوي / السيوطي
النوع الثاني: الحسن للناس فيه عبارات: (قال) أبو سليمان (الخطابي: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله) فأخرج بمعرفة المخرج المنقطع، وحديث المدلس قبل بيانه.
قال ابن دقيق العيد: وهذا الحد صادق على الصحيح أيضًا، فيدخل في حد الحسن.
وكذا قال ابن الصلاح وصاحب المنهل الروي، وأجاب التبريزي بأنه سيأتي أن الصحيح أخص منه، ودخول الخاص في حد العام ضروري، والتقييد بما يخرجه عنه مخل للحد.
قال العراقي: وهو متجه، قال: وقد اعترض ابن رُشَيْدٍ ما نقل عن الخطابي بأنه رآه بخط الحافظ أبي علي الجياني (واستقر حاله) - بالسين المهملة وبالقاف وبالحاء المهملة دون راء في أوله - قال: وذلك مردود، فإن الخطابي قال ذلك في خطبة معالم السنن، وهو في النسخ الصحيحة، كما نقل عنه، وليس لقوله: (واستقر حاله) كبير معنى.
وقال ابن جماعة: يرد على هذا الحد: ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف.
ثم قال الخطابي في تتمة كلامه: (وعليه مدار أكثر الحديث)؛ لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح (ويقبله أكثر العلماء)، وإن كان بعض أهل الحديث شدد، فرد بكل علة، قادحة كانت أم لا.
كما روي عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ فقال: لا.
(واستعمله) أي: عمل به (عامة الفقهاء)، وهذا الكلام فهمه العراقي زائدًا على الحد، فأخر ذكره، وفَصَلَه عنه.
وقال البُلقيني: بل هو من جملة الحد؛ ليخرج الصحيح الذي دخل فيما قبله، بل والضعيف أيضًا.
تنبيه: حكى ابن الصلاح بعد كلام الخطابي أن الترمذي حد الحسن بأن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، وأن بعض المتأخرين قال: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل ويعمل به، وقال: كل هذا مبهم لا يشفي الغليل، وليس في كلام الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح. انتهى.
وكذا قال الحافظ أبو عبد الله بن المواق: لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ورواته غير متهمين، بل ثقات.
قال ابن سيد الناس: بقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح.
قال العراقي: إنه حسن أحاديث لا تروى إلا من وجه واحد، كحديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» ، فإنه قال فيه: (حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف في الباب إلا حديث عائشة).
قال: وأجاب ابن سيد الناس عن هذا الحديث بأن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان رواته في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، قال: وأكثر ما في الباب أن الترمذي عرف بنوع منه، لا بكل أنواعه.
وقال شيخ الإسلام: قد ميز الترمذي الحسن عن الصحيح بشيئين:
أحدهما: أن يكون راويه قاصرًا عن درجة راوي الصحيح، بل وراوي الحسن لذاته، وهو أن يكون غير متهم بالكذب، فيدخل فيه المستور والمجهول ونحو ذلك، وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة، وراوي الحسن لذاته لا بد وأن يكون موصوفًا بالضبط، ولا يكفي كونه غير متهم.
قال: ولم يعدل الترمذي عن قوله: ثقات، وهي كلمة واحدة، إلى ما قاله إلا لإرادة قصور رواته عن وصف الثقة، كما هي عادة البلغاء.
الثاني: مجيئه من غير وجه، على أن عبارة الترمذي فيما ذكره في العلل التي في آخر جامعه: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده " إلى آخر كلامه.
قال ابن سيد الناس: فلو قال قائل: إن هذا إنما اصطلح عليه في كتابه ولم يقله اصطلاحًا عامًّا لكان له ذلك.
وقول ابن كثير: (هذا الذي روي عن الترمذي في أي كتاب قاله؟ وأين إسناده عنه؟) مردود بوجوده في آخر جامعه، كما أشرنا إليه.
وقال بعض المتأخرين: قول الترمذي مرادف لقول الخطابي؛ فإن قوله: (ويروى نحوه من غير وجه) كقوله: (ما عرف مخرجه)، وقول الخطابي: (اشتهر رجاله) يعني به السلامة من وصمة الكذب، كقول الترمذي: (ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب)، وزاد الترمذي: (ولا يكون شاذًّا)، ولا حاجة إليه؛ لأن الشاذ ينافي عرفان المخرج، فكأن المصنف أسقطه لذلك.
لكن قال العراقي: تفسير قول الخطابي: (ما عرف مخرجه) بما تقدم من الاحتراز عن المنقطع وخبر المدلس أحسن؛ لأن الساقط منه بعض الإسناد لا يعرف فيه مخرج الحديث؛ إذ لا يدرى من سقط، بخلاف الشاذ الذي أبرز كل رجاله، فعرف مخرج الحديث من أين.
وقال البلقيني: اشتهار الرجال أخص من قول الترمذي، ولا يكون في الإسناد متهم، لشموله المستور.
وما حكاه ابن الصلاح عن بعض المتأخرين أراد به ابن الجوزي، فإنه ذكر ذلك في العلل المتناهية وفي الموضوعات.
قال ابن دقيق: وليس ما ذكره مضبوطًا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره.
قال البدر بن جماعة: وأيضًا فيه دورٌ؛ لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنًا.
قلت: ليس قوله: (ويعمل به) من تمام الحد، بل زائد عليه؛ لإفادة أنه يجب العمل به كالصحيح، ويدل على ذلك أنه فصله من الحد، حيث قال: (ما فيه ضعف قريب محتمل فهو الحديث الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به).
وقال الطيبي: ما ذكره ابن الجوزي مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف؛ لأن الحسن وسط بينهما، فقوله: (قريب) أي: قريب مخرجه إلى الصحيح محتمل لكون رجاله مستورين.
(1/ 166- 171)