المقدمة – ابن الصلاح
ومن مظانه: سنن أبي داود السجستاني رحمه الله تعالى، رُوِّينَا عنه أنه قال: " ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه ". ورُوِّينَا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب. وقال: " ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض ".
قلت: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود. وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق، إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: " كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ". وقال ابن منده: " وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال "، والله أعلم.
الخامس: ما صار إليه صاحب المصابيح رحمه الله من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان، مريدًا بالصحاح ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وأشباههما في تصانيفهم. فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك. وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن كما سبق بيانه، والله أعلم. السادس: كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي: الصحيحان، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وجامع الترمذي، وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقًا، كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار أبي بكر، وأشباهها، فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه، غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به. فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن جلت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب، والله أعلم. (ص: 36- 38).
فتح المغيث - السخاوي
مظنة الحسن: (قال: ومن مظنة) بكسر المعجمة، مفعلة من الظن بمعنى العلم، أي: موضع ومعدن (للحسن) سوى ما ذكر (جمع) الإمام الحافظ الحجة الفقيه التالي لصاحبي الصحيحين، والمقول فيه: إنه ألين له الحديث كما ألين لداود عليه السلام الحديد (أبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الآتي في الوَفَيَات، (أي في) كتابه (السنن) الشهير الذي صرح حجة الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث. ثم قال أبو داود: (وحيث لا) وهن أي: شديد فيه، ولم أذكر فيه شيئا (ف) هو (صالح) ، وفي لفظ أورده ابن كثير ممرضًا: فهو حسن (خرجته) ، بعضه أصح من بعض، قال ابن الصلاح: فعلى هذا (ما) وجدناه مذكورًا (به) أي: بالكتاب (ولم يصحح) عند واحد من الشيخين ولا غيرهما ممن يميز بين الصحيح والحسن. (وسكت) أي: أبو داود (عليه) فهو (عنده) أي: أبي داود (له الحسن ثبت) . وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره، ولا مندرج فيما حققناه ضبط الحسن به على ما سبق، لا سيما ومذهب أبي داود تخريج الضعيف، إذا لم يكن في الباب غيره كما سيأتي. انتهى. (والبغوي) ... (إذ قسم) كتابه (المصابحا) بحذف الياء تخفيفا، جمع مصباح ; وهو السراج (إلى الصحاح والحسان، جانحا) أي: سائرًا إلى أن الصحاح ما رواه الشيخان في صحيحهما أو أحدهما. و (الحسان ما رووه) أي: أبو داود والترمذي، وغيرهما من الأئمة، كالنسائي والدارمي وابن ماجه (في السنن) من تصانيفهم مما يتضمن مساعدة ابن الصلاح; لاستلزامه تحسين المسكوت عليه عند أبي داود رد (عليه) فقال النووي: إنه ليس بصواب، وسبقه ابن الصلاح فقال: إنه اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، (إذ بها) أي: بكتب السنن المشار إليها (غير الحسن) من الصحيح والضعيف. (1/ 101- 108).
تدريب الراوي – السيوطي
[فروع]:
أحدها: في مظنة الحسن، كما ذكر في الصحيح مظانه، وذكر في كل نوع مظانه من الكتب المصنفة فيه إلا يسيرًا نبه عليه.
كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره، وأكثر من ذكره. قال ابن الصلاح: ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد والبخاري وغيرهما. قال العراقي: وكذا مشايخ الطبقة التي قبل ذلك كالشافعي، قال في اختلاف الحديث - عند ذكر حديث ابن عمر: «لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا.» الحديث -: حديث ابن عمر مسند حسن الإسناد. وقال فيه أيضًا، وسمعت من يروي بإسناد حسن «أن أبا بكرة ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ركع دون الصف» ، الحديث. وكذا يعقوب بن شيبة في مسنده، وأبو علي الطوسي أكثرا من ذلك، إلا أنهما ألفا بعد الترمذي. (وتختلف النسخ منه) أي من كتب الترمذي (في قوله حسن أو حسن صحيح ونحوه فينبغي أن تعتني بمقابلة أصلك بأصول معتمدة، وتعتمد ما اتفقت عليه.
ومن مظانه أيضًا: سنن أبي داود، فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينه، وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح، قال: وبعضها أصح من بعض، فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقًا ولم يكن في أحد الصحيحين، ولم يصححه غيره من المعتمدين الذين يميزون بين الصحيح والحسن، ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود؛ لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه التعبير عنه بصالح. وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رشيد بأن ما سكت عليه قد يكون عنده صحيحًا وإن لم يكن كذلك عند غيره. وزاد ابن الصلاح أنه قد لا يكون حسنًا عند غيره، ولا مندرجًا في حد الحسن، إذ حكى ابن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجتمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.... [فوائد]:
الأولى: من مظان الحسن أيضًا: سنن الدارقطني فإنه نص على كثير منه قاله في المنهل الروي. (1/ 181- 186)