المقدمة – ابن الصلاح
الثامن: في قول الترمذي وغيره: (هذا حديث حسن صحيح) إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، كما سبق إيضاحه، ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته.
وجوابه: أن ذلك راجع إلى الإسناد، فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين: أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح استقام أن يقال فيه: إنه حديث حسن صحيح، أي إنه حسن بالنسبة إلى إسناد، صحيح بالنسبة إلى إسناد آخر. على أنه غير مستنكر أن يكون بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده، فاعلم ذلك، والله أعلم. (ص: 39)
الموقظة – الذهبي
وقولُ الترمذيّ: (هذا حديثٌ حسَنٌ صحيح) عليهِ إشكال: بأن الحَسَن قاصِرٌ عن الصحيح، ففي الجمع بين السَّمْتَيْنِ لحديثٍ واحدٍ مُجاذَبَة!
وأُجيبَ عن هذا بشيء لا ينَهض أبداً، وهو أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد، فيكون قد رُوي بإسنادٍ حسن، وبإسنادٍ صحيح. وحينئذٍ لو قيل: (حسن صحيح لا نعرفه إلَّا مِن هذا الوجه) لبَطَلَ هذا الجواب.
وحقيقةُ ذلك - أن لو كان كذلك - أن يقال: (حديث حَسنٌ وَصحيح) فكيف العَملُ في حديثٍ يقول فيه: (حسَنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا مِن هذا الوجه)؟ فهذا يُبطِلُ قولَ من قال: أن يكون ذلك بإسنادين، ويَسُوغُ أن يكون مُرادُه بالحَسَن: المعنىَ اللغويَّ لا الاصطلاحيَّ، وهو إقبالُ النفوسِ وإصغاءُ الأسماعِ إلى حُسنِ مَتْنِه، وجِزَالةِ لفظِه، وما فيه من الثوابِ والخير. فكثيرٌ مِن المتون النبوية بهذه المثابة.
قال شيخنا ابنُ وهب: فَعَلَى هذا، يَلزمُ إطلاقُ الحَسَنِ على بعضِ الموضوعات! ولا قائل بهذا. ثم قال: "فأقولُ: لا يُشتَرَطُ في الحَسَن قيدُ القُصور عن الصحيح، وإنما جاء القصورُ إذا اقتُصر على: (حديث حَسَن)، فالقصورُ يأتيه من قيدِ الاقتصار، لا من حيث حقيقتُهُ وذاتُهُ". ثم قال: "فللرُّواةِ صفاتٌ تقتضي قبولَ الرواية، ولتلك الصفاتِ دَرَجَاتٌ بعضُها فوقَ بعض، كالتيقُّظِ والحفظِ والإتقان، فوجودُ الدَّرَجةِ الدنيا كالصدقِ مثلًا وعَدَمِ التُّهمة لا ينافيه وجودُ ما هو أعلى منهُ من الإتقانِ والحفظ، فإذا وُجدت الدرجةُ العُلْيا لم يُنافِ ذلك وجودُ الدنيا كالحفظ مع الصدق، فَصحَّ أن يقال: (حسَنٌ) باعتبار الدنيا، (صحيحٌ) باعتبار العُلْيا. ويَلزَمُ على ذلك أن يكون كلُّ صحيحٍ حسنًا، فيُلتَزَمُ ذلك، وعليه عبارات المتقدمين، فإنهم يقولون فيما صَحَّ: (هذا حديثٌ حسن)".
(ص: 29- 32)
نزهة النظر - ابن حجر
فإِنْ جُمِعا؛ أي: الصَّحيحُ والحسنُ في وصفِ حديثٍ واحدٍ؛ كقولِ التِّرمذيِّ وغيرِه: (حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ) فللتَّرَدُّدِ الحاصلِ مِن المُجتهدِ في النَّاقِلِ؛ هل اجتَمَعَتْ فيهِ شُروطُ الصِّحَّةِ أَو قَصَّرَ عَنْها؟! وهذا حَيْثُ يَحْصُلُ منهُ التَّفرُّدُ بتلكَ الرِّوايةِ، وعُرِف بهذا جوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ، فقالَ: الحسنُ قاصرٌ عنِ الصَّحيحِ، ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذلك القُصورِ ونَفْيُه!
ومُحَصّلُ الجوابِ: أَنَّ تردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حالِ ناقلِه اقْتَضى للمُجتهدِ أَنْ لا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصفَينِ معينًا، فيُقالُ فيهِ: حسنٌ؛ باعتبارِ وَصْفِه عندَ قو، صحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ آخرين، وغايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: (حَسَنٌ أَو صحيحٌ). وهذا كما حَذَفَ حَرْفَ العَطفِ مِن الَّذي يقول بَعْدَهُ. وعلى هذا؛ فما قيلَ فيهِ: (حَسَنٌ صحيحٌ) دونَ ما قيلَ فيهِ: (صَحيحٌ)؛ لأنَّ الجزمَ أَقوى مِن التَّردُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ. وإِلَّا أَي: إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ فإِطلاقُ الوَصفَيْنِ معًا على الحديثِ يكونُ باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ، أحدُهُما صحيحٌ، والآخرُ حسنٌ. وعلى هذا، فما قيلَ فيهِ: (حسنٌ صحيحٌ) فوقَ ما قيلَ فيهِ: (صحيحٌ) فقطْ إذا كانَ فَرْداً؛ لأنَّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي.
(ص: 66- 67)
فتح المغيث – السخاوي
اجتماع الصحة والحسن:
(و) الثانية (استشكل الحسن) الواقع جمعه في كلام الترمذي كثيرًا، وغيره كالبخاري (مع الصحة في متن) واحد، كـ (هذا حديث حسن صحيح); لما تقرر من أن الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته.
ويقال في الجواب: لا يخلو إما أن يكون هذا القائل أراد الحسن الاصطلاحي أو اللغوي، (فإن لفظًا يرد) أي: فإن يرد القائل به اللفظ; لكونه مما فيه بشرى للمكلف، وتسهيل عليه، وتيسير له، وغير ذلك مما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب، وهو اللغوي، فهو كما قال ابن الصلاح غير مستنكر الإرادة، وبه يزول الإشكال.
ولكن قد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد حسن اللفظ فقط، (فقل صف به) أي: بالحسن (الضعيف) ولو بلغ رتبة الوضع، يعني كما هو قصد الواضعين غالبًا، وذلك لا يقوله أحد من أهل الحديث إذا جروا على اصطلاحهم، بل صرح البُلقيني بأنه لا يحل إطلاقه في الموضوع، يعني ولو خرجوا عن اصطلاحهم; لأنه ربما أوقع في لبس، وأيضًا فحسن لفظه معارض بقبح الوضع أو الضعف، لكن أجاب بمنع وروده بعد الحكم عليه بالصحة، الذي هو فرض المسألة، وهو حسن، ولذلك تبعه شيخنا وغيره فيه، على أنه قد يدعي أن تقييد الترمذي بالإسناد، حيث قال: إنما أردنا به بحسن إسناده - يدفع إرادة حسن اللفظ، ولكن لا يأتي هذا إذا مشينا على أن تعريفه إنما هو لما يقول فيه: (حسن) فقط. وأما قول ابن سيد الناس في دفع كلام ابن الصلاح: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كله حسن الألفاظ، بليغ المعاني، يعني فلم يخص بالوصف بذلك بعضه دون بعض، فهو كذلك جزمًا، لكن فيه ما هو في الترهيب ونحوه ; كـ «من نوقش الحساب عذب» وما هو في الترغيب والفضائل; كالزهد والرقائق ونحو ذلك، ولا مانع من النص في الثاني ونحوه على الحسن اللغوي. ورُدَّ بأن المطابق للواقع في الترمذي غير محصور فيه، والانفصال عنه - كما قال البُلقيني - أن الوصف بذلك، ولو كان بالترهيب باعتبار ما فيه من الوعيد والزجر بالأساليب البديعة. وحينئذ فالإشكال باق، (أو) إن (يرد ما يختلف سنده) ; بأن يكون الحديث بإسنادين: أحدهما حسن، والآخر صحيح، فيستقيم الجمع بين الوصفين باعتبار تعدد الإسنادين. وهذا الجواب لابن الصلاح أيضًا، وقد تعقبه ابن دقيق العيد أيضًا بأنه وإن أمكن فيما روي من غير وجه لاختلاف مخرجه (فكيف) يمكن (إن) حديث (فرد وصف) بذلك؟ ! كما يقع التصريح به في كلام الترمذي نفسه; حيث يقول في غير حديث أنه: (حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، أو (لا نعرفه إلا من حديث فلان). وتبعه في رد هذين الجوابين تلميذه ابن سيد الناس، قال: وأيضًا فلو أراد أي: الجامع بين الوصفين واحدًا منهما لحسن أن يأتي بواو العطف المشتركة، فيقول: (حسن وصحيح); لتكون أوضح في الجمع بين الطريقين، أو السند والمتن. (ولأبي الفتح) التقي محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي ثم القاهري المالكي ثم الشافعي، عرف بابن دقيق العيد، وهو الحافظ العلامة الشهير أعلم أهل عصره بفقه الحديث وعلله، وقوة الاستنباط منه. ومعرفة طرق الاجتهاد، مع تقدمه في الزهد والورع والولاية ; بحيث كان يتكلم على الخواطر، وناهيك بأنه هو القائل: ما تكلمت بكلمة، ولا فعلت فعلًا، إلا أعددت لذلك جوابًا بين يدي الله تعالى، ذو التصانيف الكثيرة في الفنون، وأحد من ولي قضاء مصر، وفاق في القيام بالحق، والصلابة في الحكم، وعدم المحاباة، بل كان إذا تخاصم إليه أحد من أهل الدولة، بالغ في التشدد والتثبت، فإن سمع ما يكرهه عزل نفسه، فعل ذلك مرارًا وهو يعاد، وكان يقول: ضابط ما يطلب مني مما يجوز شرعًا لا أبخل به، واستمر في القضاء حتى مات في صفر سنة اثنتين وسبعمائة (702 هـ)، ودفن بالقرافة، ومولده في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة (625 هـ) (في كتابه الاقتراح) في علوم الحديث الذي نظمه الناظم وشرحته، بعد ردهما – كما تقدم - في الجواب عن الإشكال ما حاصله (أن انفراد الحسن) في سند أو متن، الحسن فيه (ذو اصطلاح) أي: الاصطلاحي المشترط فيه القصور عن الصحة. (وإن يكن) الحديث (صح) أي: وصف مع الحسن بالصحة (فليس يلتبس) حينئذ الجمع بين الوصفين، بل الحسن حاصل لا محالة تبعًا للصحة. وشرح هذا وبيانه: أن ههنا صفات للرواة تقتضي قبول الرواية، ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض; كالتيقظ والحفظ والإتقان مثلا، ووجود الدرجة الدنيا كالصدق مثلا وعدم التهمة بالكذب - لا ينافيه وجود ما هو أعلى منه; كالحفظ والإتقان، فإذا وجدت الدرجة العليا، لم يناف ذلك وجود الدنيا; كالحفظ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا، وهي الصدق مثلًا، صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي الحفظ والإتقان، قال: وعلى هذا (كل صحيح حسن لا ينعكس) أي: وليس كل حسن صحيحًا، ويتأيد الشق الأول بقولهم: (هذا حديث حسن)، في الأحاديث الصحيحة، كما هو موجود في كلام المتقدمين. وسبقه ابن المواق، فقال: لم يخص الترمذي - يعني في تعريفه السابق - الحسن بصفة تميزه عن الصحيح ; فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحًا حتى تكون رواته غير متهمين، بل ثقات.
قال: فظهر من هذا أن الحسن عنده صفة لا تخص هذا القسم، بل قد يشركه فيها الصحيح، فكل صحيح عنده حسن ولا ينعكس، ويشهد لهذا أنه لا يكاد يقول في حديث يصححه إلا: (حسن صحيح).
(1/ 121- 124)
تدريب الراوي – السيوطي
(وأما قول الترمذي وغيره) كعلي بن المديني ويعقوب بن شيبة: هذا (حديث حسن صحيح)، وهو مما استشكل؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح، فكيف يجتمع إثبات القصور ونفيه في حديث، (فمعناه) أنه (روي بإسنادين: أحدهما يقتضي الصحة، والآخر يقتضي الحسن) فصح أن يقال فيه ذلك، أي: حسن باعتبار إسناد، صحيح باعتبار آخر.
قال ابن دقيق العيد: يرد على ذلك الأحاديث التي قيل فيها ذلك مع أنه ليس لها إلا مخرج واحد، كحديث خرجه الترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: «إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا» ، وقال فيه: (حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه) على هذا اللفظ،
وأجاب بعض المتأخرين: بأن الترمذي إنما يقول ذلك مريدًا تفرد أحد الرواة عن الآخر، لا التفرد المطلق.
قال: ويوضح ذلك ما ذكره في (الفتن) من حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة يرفعه: «من أشار إلى أخيه بحديدة» الحديث. قال فيه: (حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، فاستغربه من حديث خالد، لا مطلقًا.
قال العراقي: وهذا الجواب لا يمشي في المواضع التي يقول فيها: (لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، كالحديث السابق.
وقد أجاب ابن الصلاح بجواب ثان هو: أن المراد بالحسن اللغوي دون الاصطلاحي، كما وقع لابن عبد البر، حيث روى في كتاب العلم حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة» الحديث بطوله، وقال: (هذا حديث حسن جدًّا)، ولكن ليس له إسناد قوي، فأراد بالحسن حسن اللفظ؛ لأنه من رواية موسى البلقاوي، وهو كذاب ينسب إلى الوضع عن عبد الرحيم العَمِّيِّ، وهو متروك، ورُوِّينَا عن أمية بن خالد، قال: قلت لشعبة: تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي، وتدع عبد الملك بن أبي سليمان - وقد كان حسنَ الحديث - فقال: من حسنها فررت، يعني: أنها منكرة، وقال النخعي: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، قال السمعاني: عنى بالأحسن الغريبَ، قال ابن دقيق العيد: ويلزم على هذا الجواب أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد من المحدثين إذا جروا على اصطلاحهم. قال شيخ الإسلام: ويلزم عليه أيضًا أن كل حديث يوصف بصفة فالحسن تابعه، فإن كل الأحاديث حسنة اللفظ بليغة المعاني، ولما رأينا الذي وقع له هذا كثير الفرق، فتارة يقول: حسن فقط، وتارة: صحيح فقط، وتارة: حسن صحيح، وتارة: صحيح غريب، وتارة: حسن غريب، فعرفنا أنه لا محالة جار مع الاصطلاح، مع أنه قال في آخر الجامع: وما قلنا في كتابنا " حديث حسن " فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، فقد صرح بأنه أراد حسن الإسناد فانتفى أن يريد حسن اللفظ.
وأجاب ابن دقيق العيد بجواب ثالث: وهو أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن، أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة الدنيا، صحيح باعتبار العليا، ويلزم على هذا أن كل صحيح حسن، وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن المواق.
قال شيخ الإسلام: وشبه ذلك قولهم في الراوي: صدوق فقط، وصدوق ضابط، فإن الأول قاصر عن درجة رجال الصحيح، والثاني منهم، فكما أن الجمع بينهما لا يضر ولا يشكل، فكذلك الجمع بين الصحة والحسن.
ولابن كثير جواب رابع وهو: أن الجمع بين الصحة والحسن درجة متوسطة بين الصحيح والحسن، قال: فما يقول فيه: (حسن صحيح( أعلى رتبة من الحسن ودون الصحيح. قال العراقي: وهذا تحكُّمٌ لا دليل عليه، وهو بعيد.
ولشيخ الإسلام جواب خامس وهو: التوسط بين كلام ابن الصلاح وابن دقيق العيد، فيخص جواب ابن الصلاح بما له إسنادان فصاعدًا، وجواب ابن دقيق العيد بالفرد.
قال: وجواب سادس: وهو الذي أرتضيه ولا غبار عليه، وهو الذي مشى عليه في النخبة وشرحها: أن الحديث إن تعدد إسناده فالوصف راجع إليه باعتبار الإسنادين أو الأسانيد، قال: وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق تقوي، وإلا فبحسب اختلاف النقاد في راويه، فيرى المجتهد منهم بعضهم يقول فيه: صدوق، وبعضهم يقول فيه: ثقة، ولا يترجح عنده قول واحد منهما أو يترجح، ولكنه يريد أن يشير إلى كلام الناس فيه، فيقول ذلك، وكأنه قال: حسن عند قوم صحيح عند قوم. قال: وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: (حسن أو صحيح). قال: وعلى هذا ما قيل فيه: (حسن صحيح) دون ما قيل فيه: (صحيح)؛ لأن الجزم أقوى من التردد. انتهى. وهذا الجواب مركب من جواب ابن الصلاح وابن كثير.
(1/ 175- 179)