المقدمة – ابن الصلاح (ص73 - 74)
التدليس قسمان:
أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه، موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر. ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: (أخبرنا فلان) ولا (حدثنا) وما أشبههما، وإنما يقول: (قال فلان أو عن فلان) ونحو ذلك.
مثال ذلك: ما رُوِّينَا عن علي بن خَشْرَم قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري.
التقييد والإيضاح - العراقي (ص95 - 96)
قوله: (التدليس قسمان) إلى آخر كلامه.
ترك المصنف -رحمه الله- قسمًا ثالثًا من أنواع التدليس، وهو شر الأقسام، وهو الذي يسمونه: تدليس التسوية، وقد سماه بذلك أبو الحسن ابن القطان وغيره من أهل هذا الشأن. وصورة هذا القسم من التدليس: أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة، ونحوها فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه؛ لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل.
ومثال ذلك: ما ذكره أبو محمد بن أبي حاتم في كتاب العلل؛ قال: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية، قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه" فقال أبي: إن هذا الحديث له أمر قل من يفهمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد، لكيلا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط، لا يهتدي له، قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا. انتهى.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 68 - 70)
قوله: (وهو أن يروي عمن لقيه) إلى آخره
أي: شرط التدليس: أن يكون المدلس قد لقي المروي عنه، ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه،
وشرط البغوي في شرح السنة: أن يكون مشهورًا بالرواية عنه، أما إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فليس بتدليس على الصحيح المشهور، بل هو من قبيل الإرسال كما سبق في بابه عن حكاية الخطيب، وحكى ابن عبد البر عن قوم أنه تدليس، فجعلوا التدليس أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، وإلا لكان كذبًا، قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم من التدليس أحد؛ لا مالك ولا غيره،
وقال ابن القطان في الوهم والإيهام: التدليس أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، وكذلك قال الحافظ أبو بكر البزار -صاحب المسند في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل-: واعلم أن هذا التعريف الذي ذكره المصنف منطبق على مرسل الصحابة، مع أنه لا يطلق عليه تدليس، وأما ما رواه ابن عَدي في كامله عن يزيد بن هارون قال: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، فإنما أراد به إسقاط الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان، كما اتفق له في حديث صوم الجنب، لما أنكر عليه قال: حدثنيه الفضل بن العباس، ولا ينبغي إطلاق مثل هذه العبارة في حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما ذلك إرسال.
وقد نقل ابن الحاجب وغيره أن قول الصحابي العدل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على سماعه منه خلافًا للقاضي أبي بكر.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 74 - 75)
قوله: وإنما يقول: قال فلان، أو: عن فلان ونحو ذلك، أي: أن فلانًا.
ومثله: إن أسقط ذلك، ويسمي الشيخ فقط، فيقول: فلان، كما تراه في حكاية ابن عيينة...
المثال الجيد لهذا القسم: أن الترمذِيَّ أخرج في جامعه من حديث ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة مرفوعًا: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين، ثم قال: هذا حديث لا يصح؛ لأنَّ الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، سمعت محمدًا يقول: روي عن غير واحد، منهم: موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعًا؛ قال محمد: والحديث هو هذا.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 101 - 105)
واعلم أنه قد فات المصنف من التدليس أقسام:
أحدها: تدليس الإسقاط: وهو ألا يسقط شيخه، لكن يسقط من بعده؛ لكونه رجلًا ضعيفًا، أو صغير السن، لتحسين الحديث بإسقاطه. ذكره الخطيب، قال: وكان الأعمش والثوري وبقية يفعلون هذا النوع.
وقال العباس الدوري: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان يومًا حديثًا ترك فيه رجلًا، فقال له: يا أبا عبد الله فيه رجل. قال: هذا أسهل للطريق، وقال ابن أبي حاتم في علله: سمعت أبي -وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية- فقال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر قال: (لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه) قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي، فجاء بقية فكنى عبيد الله ونسبه إلى بني أسد؛ لكي لا يفطن له حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدي إليه، وكان بقية من أفعل الناس لهذا، ولعل إسحاق بن راهويه حفظ الحديث عن بقية ولم يتفطن لهذا، ويقال: إن ما رواه مالك بن أنس عن ثور بن زيد عن ابن عباس، كان ثور يرويه عن عكرمة عن ابن عباس، وكان مالك يكره الرواية عن عكرمة، فأسقط اسمه من الحديث وأرسله، قال الخطيب: وهذا لا يجوز وإن احتج مالك بالمرسل؛ لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده.
واعلم أن بعضهم سمى هذا النوع: تدليس التسوية.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 614 - 615)
قوله: (وهو أن يروي عن من لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه) انتهى.
وقوله: (عمن عاصره) ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي كما سيأتي تحقيقه عند الكلام عليه.
وقد ذكر ابن القطان في أواخر البيان له تعريف التدليس بعبارة غير معترضة قال: "ونعني به: أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه.
والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمي تدليسًا". انتهى.
وهو صريح في التفرقة بين التدليس والإرسال. وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع، بخلاف الإرسال -والله أعلم.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 622 - 623)
قوله: (وما ذكره المصنف في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث - يعني: أن من جملة التدليس -: أن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا أي سواء كأن قد لقيه أو لم يلقه".
قلت: والذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقاء، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبيل المرسل، لا من قبيل المدلس.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 617)
وقد فاتهم معًا من تدليس الإسناد فرع آخر:
وهو تدليس العطف، وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع -أيضًا- وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان.
مثاله: ما رُوِّينَاه في "علوم الحديث" للحاكم قال: "اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا: لا. فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئًا؟
وفاتهم أيضًا فرع آخر، وهو تدليس القطع
مثاله: ما رُوِّينَاه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره، عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 620 - 621)
قول شيخنا في تعريف التسوية: (وصورة هذا القسم أن يجيء المدلس إلى حديث قد سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وقد سمعه ذلك الشيخ الضعيف عن شيخ ثقة، فيسقط المدلس الشيخ الضعيف، ويسوقه بلفظ محتمل، فيصير الإسناد كلهم ثقات، ويصرح هو بالاتصال عن شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي رده...) إلى آخر كلامه. تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول: أن يجيء الراوي -ليشمل المدلس وغيره- إلى حديث قد سمعه من شيخ، وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة محتملة، فيصير الإسناد عاليًا وهو في الحقيقة نازل، ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التسوية: ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية، عن أبيه عن علي -رضي الله عنه- في تحريم لحوم الحمر الأهلية. قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري. هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد عن مالك، فأسقط هشيم ذكر مالك منه وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري. ويحيى فقد سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه إلا أن هشيمًا قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر وغيره. فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ ضعيف، وإنما سقط شيخ ثقة، فلا اختصاص لذلك بالضعيف -والله أعلم.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 227 - 228)
تدليس العطف: وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر له، ولا يكون سمع ذلك المروي منه، سواء اشتركا في الرواية عن شيخ واحد -كما قيده به شيخنا لأجل المثال الذي وقع له وهو أخف- أم لا.
فروى الحاكم في علومه قال: اجتمع أصحاب هشيم، فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: ثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، وساق عدة أحاديث، فلما فرغ قال هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا: لا، فقال: بلى، كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع عن مغيرة شيئًا.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 240 - 241)
(قلت: وشرها) أي: أنواع التدليس، حتى ما ذكر ابن الصلاح أنه شره (أخو) أي: صاحب (التسوية) الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك".
وتبعه النووي في ذلك القسم الأول من تقريبه، وجماعة ليس فيهم ابن الصلاح، منهم العلائي وتلميذه الناظم، لكن جعله قسمًا ثالثًا للتدليس.
وحقق تلميذه شيخنا أنه نوع من الأول، وصنيع النووي في شرح مسلم و(تقريبه) يقتضيه.
وبالتسوية سماه أبو الحسن بن القطان فمن بعده، فقال: سَوَّاهُ فلانٌ. وأما القدماء فسموه تجويدًا.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 256 - 257)
(الأول: تدليس الإسناد بأن يروي عمن عاصره)، زاد ابن الصلاح: أو لقيه (ما لم يسمعه منه)، بل سمعه، عن رجل عنه (موهمًا سماعه) حيث أورده بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه (قائلًا: قال فلان، أو عن فلان، ونحوه) وكأن فلانًا، فإن لم يكن عاصره فليس الرواية عنه بذلك تدليسًا على المشهور.
وقال قوم: إنه تدليس، فحدوه بأن يحدث الرجل، عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحًا بالسماع.
قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما سلم أحد من التدليس، لا مالك، ولا غيره.
وقال الحافظ أبو بكر البزار، وأبو الحسن بن القطان: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه... (وربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره) أي شيخ شيخه، أو أعلى منه؛ لكونه (ضعيفًا)، وشيخه ثقة، (أو صغيرًا)، وأتى فيه بلفظ محتمل، عن الثقة الثاني، (تحسينًا للحديث)، وهذا من زوائد المصنف على ابن الصلاح، وهو قسم آخر من التدليس يسمى تدليس التسوية.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 259 - 260)
زاد شيخ الإسلام: تدليس العطف، ومثَّلَه بما فعل هشيم، فيما نقله عنه الحاكم، والخطيب، أن أصحابه قالوا له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئًا لا يكون فيه تدليس، فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلسًا يقول في كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: بلى، كل ما قلت فيه وفلان؛ فإني لم أسمعه منه.