المقدمة – ابن الصلاح (ص74 - 76)
أما القسم الأول: فمكروه جدًّا، ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له. فروينا عن الشافعي الإمام -رضي الله عنه- عنه أنه قال: "التدليس أخو الكذب". وروينا عنه أنه قال: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس". وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.
ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين السماع أو لم يبين. والصحيح: التفصيل، وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو (سمعت، وحدثنا، وأخبرنا) وأشباهها فهو مقبول محتج به. وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًّا: كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشام بن بشير، وغيرهم. وهذا لأن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل.
والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين قد أجراه الشافعي -رضي الله عنه- فيمن عرفناه دلس مرة، والله أعلم. وأما القسم الثاني: فأمره أخف، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته.
ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غيَّر سمْتَه غير ثقة، أو كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه أصغر سنًّا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة. وتسمح بذلك جماعة من الرواة المصنفين، منهم الخطيب أبو بكر، فقد كان لهجًا به في تصانيفه، والله أعلم.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 631 - 632)
قد ذم التدليس جماعة من أقرأن شعبة وأتباعه. فرُوِّينَا عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه قال: "التدليس ذل". وحكى عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر بعض من يدلس فذمه ذمًّا شديدًا وقال: "دلس للناس أحاديثه، والله لا يقبل تدليسه".
رُوِّينَا في "علوم الحديث للحاكم" وروينا في أدب المحدث لعبد الغني بن سعيد عن وكيع قال: "لا يحل تدليس الثوب، فكيف تدليس الحديث".
وعن أبي عاصم النبيل قال: أقل حالات المدلس عندي أنه يدخل في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" والله الموفق.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 234 - 236)
وأما حكمه: فقال يعقوب بن شيبة: جماعة من المحدثين لا يرون بالتدليس بأسًا، يعني: وهم الفاعلون له أو معظمهم، (وذمه) -أي: أصل التدليس لا خصوص هذا القسم- (شعبة) بن الحجاج (ذو الرسوخ) في الحفظ والإتقان؛ بحيث لقب أمير المؤمنين في الحديث، فروى الشافعي عنه أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال غندر عنه: إنه أشد من الزنا؛ ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إليَّ من أن أدلس، وقال أبو الوليد الطيالسي عنه: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان، ولم أسمع ذلك الحديث منه.
ولم ينفرد شعبة بذمه، بل شاركه ابن المبارك في الجملة الأخيرة، وزاد: أن الله لا يقبل التدليس.
وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة، وكذا قرنه به بعضهم، وقرنه آخر بقذف المحصنات،
وقال سليمان بن داود المنقري: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد بالمعجمة، أي: طريق.
وقال عبد الوارث بن سعيد: إنه ذل، يعني لسؤاله أسمع أم لا؟
وقال ابن معين: "إني لأزين الحديث بالكلمة، فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه".
وقال حماد بن زيد: "هو متشبع بما لم يعط"، ونحوه قول أبي عاصم النبيل: أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". وقال وكيع: الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث؟ وقال بعضهم: أدنى ما فيه التزين. وقال يعقوب بن شيبة: وكرهه جماعة من المحدثين، ونحن نكرهه، زاد غيره: وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفًا فهو حرام.
ولكن اختص شعبة منه مع تقدمه بالمزيد كما ترى، على أن شعبة قد عيب بقوله: لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد بن أبان الرقاشي. فقال يزيد بن هارون راوي ذلك عنه: ما كان أهون عليه الزنا! قال الذهبي: وهو -أي: التدليس- داخل في قوله عليه السلام: «من غشنا فليس منا»؛ لأنه يوهم السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع، هذا إن دلس عن ثقة، فإن كان ضعيفًا فقد خان الله ورسوله، بل هو -كما قال بعض الأئمة- حرام إجماعًا. وأما ما نقله ابن دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر أنه قال: التدليس اسم ثقيل شنيع الظاهر، لكنه خفيف الباطن، سهل المعنى، فهو محمول على غير المحرم منه. (ودونه) أي: دون الأول من قسمي تدليس الإسناد، وفصل عنه لعدم الحذف فيه (التدليس للشيوخ) ثاني قسميه، لتصريح ابن الصلاح بأن أمره أخف، وهو (أن يصف) المدلس (الشيخ) الذي سمع ذاك منه (بما لا يعرف) أي: يشتهر (به) من اسم أو كنية، أو نسبة إلى قبيلة، أو بلدة أو صنعة، أو نحو ذلك، كي يوعر معرفة الطريق على السامع. ويجوز أن تكون "أن" وما بعدها في موضع رفع على البيان لقوله: "التدليس".
ومن أمثلة ذلك: قول أبي بكر بن مجاهد المقرئ: ثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به الحافظ أبا بكر ابن صاحب السنن الحافظ أبي داود. وقوله أيضًا: ثنا محمد بن سند، يريد به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش، نسبة لجد له.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 240 - 243)
(قلت: وشرها) أي: أنواع التدليس، حتى ما ذكر ابن الصلاح أنه شره (أخو) أي: صاحب (التسوية) الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك" وتبعه النووي في ذلك القسم الأول من تقريبه، وجماعة ليس فيهم ابن الصلاح، منهم العلائي وتلميذه الناظم، لكن جعله قسمًا ثالثًا للتدليس. وحقق تلميذه شيخنا أنه نوع من الأول، وصنيع النووي في شرح مسلم و(تقريبه) يقتضيه. وبالتسوية سماه أبو الحسن بن القطان فمن بعده، فقال: سواه فلان. وأما القدماء فسموه تجويدًا; حيث قالوا: جوَّدَه فلان، وصورته: أن يروي المدلس حديثًا عن شيخ ثقة بسند فيه راو ضعيف، فيحذفه المدلس من بين الثقتين اللذين لقي أحدهما الآخر، ولم يذكر أولهما بالتدليس، ويأتي بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات. ويصرح المدلس بالاتصال عن شيخه؛ لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر في الإسناد ما يقتضي رده إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل، ويصير الإسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل، وهو مذموم جدًّا؛ لما فيه من مزيد الغش والتغطية، وربما يلحق الثقة الذي هو دون الضعيف الضرر من ذلك بعد تبين الساقط بإلصاق ذلك به مع براءته. قال ابن حزم: صح عن قوم إسقاط المجروح وضم القوي إلى القوي؛ تلبيسًا على من يحدث، وغرورًا لمن يأخذ عنه، فهذا مجروح وفسقه ظاهر، وخبره مردود؛ لأنه ساقط العدالة. انتهى.
وممن كان يفعله بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم، وبالتقييد باللقاء خرج الإرسال، فقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن مالكًا سمع من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة، عن ابن عباس، ثم حدث بها بحذف عكرمة؛ لأنه كان يكره الرواية عنه، ولا يرى الاحتجاج بحديثه. انتهى. في أمثلة لذلك عن مالك بخصوصه، فلو كانت التسوية بالإرسال تدليسًا، لعد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم، فقال ابن القطان: ولقد ظن بمالك على بعده عنه عمله. وقال الدارقطني: إن مالكًا ممن عمل به وليس عيبًا، عندهم. قلت: وهو محمول على أن مالكًا ثبت عنده الحديث عن ابن عباس، وإلا فقد قال الخطيب: إنه لا يجوز هذا الصنيع وإن احتج بالمرسل؛ لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده وكذا بالتقييد بالضعيف -كان أخص من المنقطع،
على أن بعضهم قد أدرج في تدليس التسوية ما كان المحذوف ثقة.
ومن أمثلته: ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه، هو محمد بن الحنفية، عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية قالوا: ويحيى لم يسمعه من الزهري، وإن سمع منه غيره إنما أخذه عن مالك عنه، ولكن هشيم قد سوى الإسناد، كما جزم به ابن عبد البر وغيره، ويتأيد بقول الخطيب الذي أسلفته في أول هذا القسم: "أو صغير السن". ويلتحق بتدليس التسوية في مزيد الذم ما حكيناه في القسم الأول عن فطر.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 262 - 265)
(أما) القسم (الأول فمكروه جدًّا، ذمه أكثر العلماء)، وبالغ شعبة في ذمه، فقال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. وقال: التدليس أخو الكذب. قال ابن الصلاح: وهذا منه إفراط، محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير. (ثم قال فريق منهم) من أهل الحديث والفقهاء (من عرف به صار مجروحًا مردود الرواية) مطلقًا، (وإن بين السماع).
وقال جمهور من يقبل المرسل: يقبل مطلقًا، حكاه الخطيب. ونقل المصنف في شرح المهذب الاتفاق على رد ما عنعنه تبعًا للبيهقي وابن عبد البر محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل. لكن حكى ابن عبد البر، عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة؛ لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما. ورجحه ابن حبان قال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه، عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي. وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار، وأبو الفتح الأزدي، وعبارة البزار: من كان يدلس عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولًا. وفي الدلائل لأبي بكر الصيرفي: من ظهر تدليسه عن غير الثقات، لم يقبل خبره حتى يقول: حدثني، أو سمعت. فعلى هذا هو قول ثالث مفصل غير التفصيل الآتي. ...
(وأما) القسم (الثاني، فكراهته أخف) من الأول، (وسببها توعير طريق معرفته) على السامع، كقول أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد أبا بكر بن أبي داود السجستاني، وفيه تضييع للمروي عنه والمروي أيضًا؛ لأنه قد لا يفطن له، فيحكم عليه بالجهالة.
(وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه)، فإن كان (لكون المغيَّر اسمه ضعيفًا)، فيدلسه حتى لا يظهر روايته، عن الضعفاء، فهو شر هذا القسم، والأصح أنه ليس بجرح. وجزم ابن الصباغ في العدة بأن من فعل ذلك لكون شيخه غير ثقة عند الناس، فغيره ليقبل خبره، يجب أن لا يقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك، لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو. وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح، أو لضعف نسبه، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا. وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه، فجرح، وإلا فلا. ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا، روى البيهقي في "المدخل"، عن محمد بن رافع، قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل، قال: حدثني رجل، وإذا عرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عرف بالكنية سماه، قال: هذا تزيين ليس بتدليس. (أو) لكونه (صغيرًا) في السن، (أو متأخر الوفاة) حتى شاركه فيه من هو دونه، فالأمر فيه سهل. (أو سمع منه كثيرًا، فامتنع من تكراره على صورة) واحدة، إيهامًا لكثرة الشيوخ، أو تفننا في العبارة، فسهل أيضًا، (و)قد (تسمح الخطيب وغيره) من الرواة المصنفين (بهذا).