المقدمة – ابن الصلاح (ص61)
تفريعات:
أحدها: الإسناد المعنعن، وهو الذي يقال فيه: " فلان عن فلان " عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره.والصحيح -والذي عليه العمل- أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبد البر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك. وادعى أبو عمرو الداني -المقرئ الحافظ- إجماع أهل النقل على ذلك.
وهذا بشرط: أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا، مع براءتهم من وصمة التدليس. فحينئذ يحمل على ظاهر الاتصال، إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك.
المقدمة – ابن الصلاح (ص65 - 67)
ومن أمثلة ذلك: قوله: " قال فلان كذا وكذا " مثل أن يقول نافع: " قال ابن عمر ". وكذلك لو قال عنه: " ذكر، أو فعل، أو حدث، أو كان يقول كذا وكذا "، وما جانس ذلك، فكل ذلك محمول ظاهرًا على الاتصال، وأنه تلقى ذلك منه من غير واسطة بينهما، مهما ثبت لقاؤه له على الجملة.
ثم منهم من اقتصر في هذا الشرط المشروط في ذلك ونحوه على مطلق اللقاء، أو السماع، كما حكيناه آنفًا. وقال فيه أبو عمرو المقرئ: "إذا كان معروفًا بالرواية عنه". وقال فيه أبو الحسن القابسي: "إذا أدرك المنقول عنه إدراكًا بيِّنًا". وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم.
وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا -أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها. وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما، والله أعلم.
قلت: وهذا الحكم لا أراه يستمر بعد المتقدمين، فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: "ذكر فلان، قال فلان" ونحو ذلك، فافهم كل ذلك، فإنه مهم عزيز، والله أعلم.
الموقظة – الذهبي (ص44 - 45)
المعنعن: ما إسناده: فلان عن فلان.
فمن الناس من قال: لا يثبت حتى يصح لقاء الراوي بشيخه يومًا ما.
ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقاء، وهو مذهب مسلم، وقد بالغ في الرد على مخالفه. ثم بتقدير تيقن اللقاء، يشترط أن لا يكون الراوي عن شيخه مدلسًا. فإن لم يكن، حملناه على الاتصال. فإن كان مدلسًا، فالأظهر أنه لا يحمل على السماع.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 21 - 22)
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 583 - 585)
قوله: وادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل على قبوله".
قلت: إنما أخذه الداني من كلام الحاكم، ولا شك أن نقله عنه أولى؛ لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه، وابن الصلاح كثير النقل من كتابه، فالعجب كيف نزل عنه إلى النقل عن الداني!
قال الحاكم: "الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متصلة بإجماع أئمة النقل".
وأعجب من ذلك أن الخطيب قاله في الكفاية التي هي معول المصنف في هذا المختصر، فقال: أهل العلم مجمعون على أن قول المحدث: حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث مدلسًا، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه شيخه عن بعض من أدركه حديثًا نازلًا فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به -أن يسقط شيخ شيخه ويروي الحديث عاليًا بعد أن يسقط الواسطة.
قلت: ومراد الخطيب بهذا الاحتراز أن لا يكون المعنعن مدلسًا ولا مُسَوِّيًا، ولكن في نقل الإجماع بعد هذا كله نظر، فقد ذكر الحارث المحاسبي -وهو من أئمة الحديث والكلام- في كتاب له سماه "فهم السنن" ما ملخصه: "أن أهل العلم اختلفوا فيما يثبت به الحديث على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا بد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا لم يقولوا كلهم ذلك أو لم يقله بعضهم، فلا يثبت؛ لأنه عرف من عادتهم الرواية بالعنعنة فيما لم يسمعوه.
الثاني: التفرقة بين المدلس وغيره، فمن عرف لقيه وعدم تدليسه قبل وإلا فلا.
الثالث: من عرف لقيه وكان يدلس، لكن لا يدلس إلا عن ثقة قُبِلَ وإلا فلا.
ففي حكاية القول الأول خدش في دعوى الإجماع السابق إلا أن يقال: إن الإجماع راجع إلى ما استقر عليه الأمر بعد انقراض الخلاف السابق فيخرج على المسألة الأصولية في قبول الوفاق بعد الخلاف. ومع ذلك فقد قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: "إذا قال الصحابي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، أو عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال كذا أو إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال كذا، لم يكن ذلك صريحًا في أنه سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- هو محتمل لأن قد سمعه منه أو من غيره عنه. فقد حدث جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأحاديث، ثم ظهر أنهم سمعوها من بعض الصحابة -رضي الله عنهم".
قلت: وهذا بعينه هو البحث في مرسل الصحابي -رضي الله عنهم- وقد قدمت ما فيه، وأن الجمهور على جعله حجة. وإنما الكلام هنا في أن العنعنة ولو كانت من غير المدلس هل تقتضي السماع أم لا فكلام القاضي يؤيد ما نقله الحارث المحاسبي عن أهل القول الأول -والله أعلم.
نزهة النظر - ابن حجر (ص: 125- 126)
وعنعنة المعاصر محمولة على السماع، بخلاف غير المعاصر؛ فإنها تكون مرسلة، أو منقطعة، فشرط حملها على السماع: ثبوت المعاصرة، إلا من مدلس؛ فإنها ليست محمولة على السماع.
وقيل: يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع ثبوت لقائهما أي: الشيخ والراوي عنه، ولو مرة واحدة ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي، وهو المختار، تبعًا لعلي بن المديني والبخاري وغيرهما من النقاد.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 203)
(وصححوا) أي: الجمهور من أئمة الحديث وغيرهم (وصل) سند (معنعن) أتى عن رواة مُسَمَّيْن معروفين إن (سلم من دُلْسَة) بضم الدال، فعلةٌ من دلس، وهو قياس مصدر فَعِل بكسر العين، وأصله في الألوان والعيوب، [واستعير هنا] أي من تدليس (راويه، واللقا) -المكنى به عن السماع بينه وبين من عنعن عنه (علم)، وعليه العمل؛ بحيث أودعه مشترطو الصحيح تصانيفهم وقبلوه.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 205 - 206)
الاشتراط للاتصال ثبوت اللقاء: وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني، والبخاري، وجعلاه شرطًا في أصل الصحة، وإن زعم بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه فقط، وكذا عزا اللقاء للمحققين: النووي، بل هو مقتضى كلام الشافعي، كما قاله شيخنا، واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي. (و)لكن (مسلم لم يشرط) في الحكم بالاتصال (اجتماعًا) بينهما، بل أنكر اشتراطه في مقدمة (صحيحه)، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا: ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه. (لكن) اشترط (تعاصرا) أي: كونهما في عصر واحد فقط، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها، يعني تحسينًا للظن بالثقة، قال ابن الصلاح: وفيما قاله نظر. انتهى. ووجْهُهُ فيما يظهر ما علم من تجويز أهل ذاك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسًا وحدث بالعنعنة عن بعض من عاصره -لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه، لشيوع الإرسال بينهم. فاشترطوا أن يثبت أنه لقيه وسمع منه، لتحمل عنعنته على السماع، لأنه لو لم يحمل حينئذ على السماع لكان مدلسًا، والفرض السلامة من التدليس، فبان رجحان اشتراطه. ويؤيده قول أبي حاتم في ترجمة أبي قلابة الجرمي: إنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يعرف له تدليس، ولذا قال شيخنا عقب حكايته في ترجمة أبي قلابة من "تهذيبه": إن هذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة، على أن مسلمًا موافق للجماعة فيما إذا عرف استحالة لقاء التابعي لذلك الصحابي في الحكم على ذلك بالانقطاع. وحينئذ فاكتفاؤه بالمعاصرة إنما هو فيما يمكن فيه اللقاء.
(وقيل): إنه (يشترط طول صحابة) بين المعنعن والذي فوقه، قاله أبو المظفر بن السمعاني. وفيه تضييق. (وبعضهم) وهو أبو عمرو الداني (شرط معرفة الراوي) المعنعن (بالأخذ) عمن عنعن (عنه)، كما حكاه ابن الصلاح عنه.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 208 - 210)
حكم: (عن) فيما تقدم (فالجل) بضم الجيم وتشديد اللام، أي: المعظم من أهل العلم، ومنهم مالك كما حكاه عنهم ابن عبد البر في التمهيد (سووا) بينهما، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع يعني مع السلامة من التدليس، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاع، يعني ما لم يعلم استعماله خلافه كما سيأتي، ويتأيد التسوية بين "أن" و"عن" بأن لغة بني تميم إبدال العين من الهمزة. بالجملة (الصواب من أدرك) لقيًّا أو إمكانًا كما مر (ما رواه) من قصة أو واقعة (بالشرط الذي تقدمًا) وهو السلامة من التدليس فيمن دون الصحابي، (يحكم) بسكون الميم (له) أي: لحديثه (بالوصل كيف ما روى بـ"قال" أو) بـ("عن" أو بـ "أن") وكذا ذكر، وفعل، وحدث، وكان يقول، وما جانسها. (فـ)كلها (سوا) بفتح المهملة والقصر للضرورة، ويجوز أن يكون سكن الهمزة ثم أبدلها ألفًا، وهي لغة فصيحة جاء بها القرآن.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 244 - 246)
(والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل).
قال ابن الصلاح: ولذلك أودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل عليه، وكاد ابن عبد البر يدعي إجماع أئمة الحديث عليه. قال العراقي: بل صرح بادعائه في مقدمة "التمهيد". (بشرط أن لا يكون المعنعن) بكسر العين (مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا)، أي لقاء المعنعن من روى عنه بلفظ عن، فحينئذ يحكم بالاتصال إلا أن يتبين خلاف ذلك. (وفي اشتراط ثبوت اللقاء)، وعدم الاكتفاء بإمكانه، (وطول الصحبة)، وعدم الاكتفاء بثبوت اللقاء، (ومعرفته بالرواية عنه)، وعدم الاكتفاء بالصحبة خلاف: منهم من لم يشترط شيئًا من ذلك)، واكتفى بإمكان اللقاء، وعبر عنه بالمعاصرة، (وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه) في خطبة صحيحه، وقال: إن اشتراط ثبوت اللقاء قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا، أنه يكفي أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها. قال ابن الصلاح: وفيما قاله مسلم نظر، قال: ولا أرى هذا الحكم يستمر بعد المتقدمين فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: ذكر فلان أو قال فلان، أي فليس له حكم الاتصال ما لم يكن له من شيخه إجازة. (ومنهم من شرط اللقاء وحده، وهو قول البخاري، وابن المديني والمحققين) من أئمة هذا العلم. قيل: إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، بل التزمه في جامعه، وابن المديني يشترطه فيها، ونص على ذلك الشافعي في الرسالة.
(ومنهم من شرط طول الصحبة) بينهما، ولم يكتف بثبوت اللقاء، وهو أبو المظفر السمعاني.
(ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه)، وهو أبو عمرو الداني.
واشترط أبو الحسن القابسي أن يدركه إدراكًا بينًّا، حكاه ابن الصلاح. قال العراقي: وهذا داخل فيما تقدم من الشروط. فلذلك أسقطه المصنف.