المقدمة – ابن الصلاح (ص94 - 95)
ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المصلي: "إذا لم يجد عصًا ينصبها بين يديه فليخط خطًّا". فرواه بشر بن المفضل وروح بن القاسم عن إسماعيل هكذا. ورواه سفيان الثوري عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه وهيب، وعبد الوارث عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث عن جده حريث. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج سمع إسماعيل عن حريث بن عمار عن أبي هريرة، وفيه من الاضطراب أكثر كما ذكرناه، والله أعلم.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 228 - 234)
وقال ابن حزم في كتاب الإعراب: إذا اختلفت الألفاظ من طرق الثقات أخذ بجميعها ما أمكن ذلك، فإن تعذر عليه أخذ بالزائد في حكمه،
قال: وكم من خبر شديد الاضطراب قال به العلماء؛ كالخبر في إيجاب الزكاة في عشرين دينارًا فصاعدًا، وهو خبر شديد الاضطراب فمرة روي عن أبي إسحاق عن الحارث وعاصم بن ضمرة عن علي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومرة روي عن أبي إسحاق أنه قال: أحسبه عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ومنها: خبر كعب بن عجرة في حلق رأسه وهو محرم وهو شديد الاضطراب إسنادًا ولفظًا.
ومنها: خبر ابن عباس في تحريم كل ذي مخلب من الطير؛ فإنه روي عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه علي بن الحكم عن ميمون بن مهران فأدخل فيه بين ميمون وبين ابن عباس سعيد بن جبير.
ومنها: خبر رافع في كراء الأرض.
ومنها: خبر تحريم المتعة، فما نعلم خبرًا أشد اضطرابًا منه، مرة حرمت في خيبر، ومرة في حنين، ومرة في الفتح، ومرة أن عمر حرمها.
ومنها: الغسل عند الإكسال، وخبر النهي عن صوم أيام التشريق.
قال: وإنما وقع في هذا قوم من أئمة الحديث إما غلطًا فيجتنب وإما على سبيل المذاكرة لا على رد السنة. والحق الذي لا تجوز مخالفته: أن ما رواه الثقة بالإسناد المتصل يجب الأخذ به، ولا يرد بأنه قد اختلف فيه رواته، ولا بأنه قد رواه قوم ضعفاء، ولا بأنه قد أرسله رواته، ولا بأن واقفه أكثر.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 238 - 239)
ولم يمثل ابن الصلاح للاضطراب في المتن
وسبق منه جملة عن كتاب الإعراب،
ومنه أيضًا: حديث فاطمة بنت قيس، قالت: سألت، أو سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الزكاة فقال: (إن في المال لحقًّا سوى الزكاة). فهذا حديث قد اضطرب في لفظه ومعناه فرواه الترمذي هكذا من رواية. شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: (ليس في المال حق سوى الزكاة) فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل وقول البيهقي: إنه لا يحفظ لهذا اللفظ إسنادًا، قد بينا أن ابن ماجه رواه.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 774 - 776)
ووجدت أمثلة للمضطرب في "علل الدارقطني":
ومنها: حديث: "شيبتي هود وأخواتها". اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي.
(أ) فقيل: عنه عن عكرمة، عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ب) ومنهم من زاد فيه ابن عباس -رضي الله عنهما.
(ج) وقال علي بن صالح: عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(د) وقال العلاء: عن أبي إسحاق، عن البراء عن أبي بكر -رضي الله عنهما.
(هـ) وقال زكريا بن إسحاق وعبد الرحمن بن سليمان: عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة، عن أبي بكر -رضي الله تعالى عنه.
(و) وقيل: عن زكريا عن أبي إسحاق عن مسروق عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ز) وقال محمد بن سلمة: عن أبي إسحاق عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ح) وقيل: عن يونس بن أبي إسحاق عن علقمة عن أبي بكر.
(ط) وقال عبد الكريم الخزاز: عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ي) وقيل: عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ك) وقال أبو شيبة النخعي: عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد عن أبيه عن أبي بكر -رضي الله عنه.
(ل) وقال أبو المقدام: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 790)
فتح المغيث - السخاوي (1/ 290)
التعريف بالحديث المضطرب: لما انتهى من المُعَلِّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح (مضطرب الحديث) بكسر الراء، اسم فاعل من اضطرب (ما قد وردا) حال كونه (مختلفا من) راو (واحد) بأن رواه مرة على وجه، وأخرى على آخر مخالف له (فأزيدا) بأن يضطرب فيه كذلك راويان فأكثر. (في) لفظ (متن أو في) صورة (سند) رواته ثقات، إما باختلاف في وصل وإرسال، أو في إثبات راوٍ وحذفه، أو غير ذلك، وربما يكون في السند والمتن معًا.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 290 - 295)
أمثلة لاضطراب السند: (كـ) حديث (الخط)، من المصلي (للسترة) الذي لفظه: «إذا لم يجد عصًا ينصبها بين يديه، فليخط خطًّا»، أي يدير دارة منعطفة كالهلال فيما قاله أحمد، أو يجعله بالطول فيما قاله مسدد، فإن إسناد هذا الحديث (جم) بفتح الجيم وتشديد الميم، أي: كثير (الخلف) أي الاختلاف على راويه، وهو إسماعيل بن أمية، فإنه قيل: عنه، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث رجل من بني عذرة، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن محمد بن عمرو بن حريث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن حريث بن عمار، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان، عن أبي هريرة. وقيل: عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة. وقيل غير ذلك.
ولذا حكم غير واحد من الحفاظ، كالنووي في الخلاصة، وابن عبد الهادي وغيره من المتأخرين باضطراب سنده، بل عزاه النووي للحفاظ. وقال الدارقطني: لا يثبت. وقال الطحاوي: لا يحتج بمثله. وتوقف الشافعي فيه في الجديد بعد أن اعتمده في القديم؛ لأنه مع اضطراب سنده، زعم ابن عيينة أنه لم يجئ إلا من هذا الوجه، ولم يجد شيئًا يشده به. لكن قد صححه ابن المديني، وأحمد، وجماعة منهم: ابن حبان، والحاكم، وابن المنذر، وكذا ابن خزيمة، وعمد إلى الترجيح، فرجح القول الأول من هذا الاختلاف، ونحوه حكاية ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، ولا ينافيه القول الثاني، لإمكان أن يكون نسب الراوي فيه إلى جده، وسمي أبًا لظاهر السياق، وكذا لا ينافيه الثالث والتاسع والثامن إلا في سليمان مع سليم، وكأن أحدهما تصحف، أو سليمًا لقب، كما لا ينافيه الرابع إلا بالقلب.
بل قال شيخنا: إن هذه الطرق كلها قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكن التوفيق بينها، وحينئذ فينتفي الاضطراب عن السند أصلًا ورأسًا، ولذلك أسنده الشافعي محتجًّا به في المبسوط للمزني، وما تقدم عزوه إليه، ففيه نظر. وقال البيهقي: لا بأس بهذا الحديث في مثل هذا الحكم إن شاء الله. قال النووي: وهذا الذي اختاره هو المختار، ثم إن اختلاف الرواة في اسم رجل، أو نسبه لا يؤثر ذلك لأنه إن كان الرجل ثقة -كما هو مقتضى صنيع من صحح هذا الحديث- فلا ضير، كما تقدم في كل من المعل والمنكر. لا سيما وفي الصحيحين مما اختلف فيه على راويه جملة أحاديث، وبذلك يرد على من ذهب من أهل الحديث إلى أن الاختلاف يدل على عدم الضبط في الجملة، فيضر ذلك، ولو كانت رواته ثقات، إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعًا أو بالطريقين جميعًا، والحق أنه لا يضر، فإنه كيف ما دار كان على ثقة. وقد قال النووي في آخر الكلام على المجهول من تقريبه: ومن عرفت عينه وعدالته وجهل اسمه، احتج به، وإن كان ضعيفًا، كما هو الحق هنا، لجزم شيخنا في تقريبه بأن شيخ إسماعيل مجهول، فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه، لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه. هذا مع أن دعوى ابن عيينة الفردية في المتن منتقضة بما روينا في "فوائد عبدان الجواليقي" قال: ثنا داهر بن نوح، ثنا يوسف بن خالد، عن أبي معاذ الخراساني، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليصل أحدكم إلى ما يستره، فإن لم يجد فليخط خطا». وكذا روينا في أول جزء ابن فيل قال: ثنا عيسى بن عبد الله العسقلاني ثنا رواد بن الجراح، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى مسجد، أو إلى شجرة، أو إلى بعير، فإن لم يجد، فليخط خطًّا بين يديه، ولا يضره من مر بين يديه». ورواه أبو مالك النخعي عن أيوب، فقال: عن المقبري، بدل أبي سلمة، وادعى الدارقطني في الأفراد تفرد أبي مالك بهذا الحديث، بل في الباب أيضا، عن غير أبي هريرة. فعند أبي يعلى الموصلي في مسنده من حديث إبراهيم بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده قال: «رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد من قبل باب بني شيبة، حتى جاء إلى وجه الكعبة، فاستقبل القبلة، فخط من بين يديه خطًّا عرضًا، ثم كبر فصلى، والناس يطوفون بين الخط والكعبة». وكذا عند الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه، وفي سندهما ضعف، لكنهما مع طريقين: إحداهما مرسلة، والأخرى مقطوعة، يتقوى بها حديث أبي هريرة.
وإذ قد ظهر أن الاضطراب الواقع في هذا السند غير مؤثر، فلنذكر مثالًا لا خدش فيه، مما اختلف فيه الثقات مع تساويهم، وتعذر الجمع بين ما أتوا به، وهو حديث: «شيبتني هود وأخواتها» فإنه اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فقيل: عنه عن عكرمة عن أبي بكر، ومنهم من زاد بينهما ابن عباس. وقيل: عنه عن أبي جحيفة، عن أبي بكر. وقيل: عنه عن البراء، عن أبي بكر. وقيل: عنه عن أبي ميسرة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مسروق عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن علقمة عن أبي بكر. وقيل: عنه عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي بكر. وقيل: عنه عن عامر بن سعد، عن أبيه، عن أبي بكر. وقيل: عنه عن مصعب بن سعد، عن أبيه، عن أبي بكر. وقيل: عنه عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود. ذكره الدارقطني مبسوطًا.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 295 - 296)
وأما أمثلة الاضطراب في المتن: وقلَّ أن يوجد مثال سالم له؛
كحديث نفي البسملة، حيث زال الاضطراب عنه بالجمع المتقدم في النوع قبله،
وحديث ابن جريج في وضع الخاتم، حيث زال بما تقدم في المنكر،
وحديث فاطمة: (إن في المال لَحقًّا سوى الزكاة) الذي ذكره الشارح حيث زال بإمكان سماعها للفظين، وحمل المثبت على التطوع والنافي على الواجب ويتأيد بزيادة ثم قرأ أي رسول الله -صلى الله عليه و سلم- {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] في بعض طرقه، وفي لفظ آخر: قال أبو حمزة: قلت للشعبي: إذا زكى الرجل ماله، أيطيب له ماله؟ فقرأ: {ليس البر...} الآية. هذا مع ضعفه بغير الاضطراب، فإن أبا حمزة شيخ شريك فيه ضعيف، ووراء هذا نفى بعضهم الاضطراب عنه بأن لفظ الحديث في الترمذي وابن ماجه سواء، وهو الإثبات، لكنه لم يصب، وإن سبقه لنحوه البيهقي.
ومنها: الاختلاف في الصلاة في قصة ذي اليدين: فمرة شك الراوي أهي الظهر، أو العصر؟ ومرة قال: إحدى صلاتي العشي، إما الظهر وإما العصر، ومرة جزم بالظهر، وأخرى بالعصر، وأخرى قال: وأكبر ظني أنها العصر. وعند النسائي ما يشهد لأن الشك فيها كان من أبي هريرة، ولفظه: «صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي"، قال أبو هريرة: ولكني نسيت». قال شيخنا: فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، ثم طرأ الشك في تعيينها على ابن سيرين أيضًا، لما ثبت عنه أنه قال: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية. وأبعد من جمع بأن القصة وقعت مرتين،
ولكن كثيرًا ما يسلك الحفاظ، كالنووي -رحمه الله- ذلك في الجمع بين المختلف، توصلا إلى تصحيح كل من الروايات، صونًا للرواة الثقات أن يتوجه الغلط إلى بعضهم، وقد لا يكون الواقع التعدد، نعم قد رجح شيخنا في هذا المثال الخاص رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 312 - 314)
والمثال الصحيح: حديث أبي بكر، أنه قال: «يا رسول الله أراك شبت، قال: شيبتني هود وأخواتها». قال الدارقطني: هذا مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر.
قلت: ومثله حديث مجاهد، عن الحكم بن سفيان، «عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في نضح الفرج بعد الوضوء». قد اختلف فيه على عشرة أقوال: فقيل: عن مجاهد، عن الحكم أو ابن الحكم، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان أو ابن أبي سفيان، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم غير منسوب، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم، أو الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان بلا شك، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن مجاهد، عن أبي الحكم، أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان، أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
ومثال الاضطراب في المتن: فيما أورده العراقي حديث فاطمة بنت قيس، قالت: «سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الزكاة فقال: إن في المال لحقًا سوى الزكاة». رواه الترمذي هكذا من رواية شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: «ليس في المال حق سوى الزكاة». قال فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل. قيل: وهذا أيضًا لا يصلح مثالًا، فإن شيخ شريك ضعيف، فهو مردود من قبل ضعف راويه لا من اضطرابه، وأيضًا فيمكن تأويله بأنها روت كلا من اللفظين، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن المراد بالحق المثبت المستحب، وبالمنفي الواجب.
والمثال الصحيح: ما وقع في حديث الواهبة نفسها من الاختلاف في اللفظة الواقعة منه -صلى الله عليه وسلم. ففي رواية: «زوجتكها»، وفي رواية: «زوجناكها»، وفي رواية «أمكناكها»، وفي رواية: «ملكتكها»، فهذه ألفاظ لا يمكن الاحتجاج بواحد منها، حتى لو احتج حنفي مثلًا على أن التمليك من ألفاظ النكاح لم يسغ له ذلك. قلت: وفي التمثيل بهذا نظر أوضح من الأول، فإن الحديث صحيح ثابت، وتأويل هذه الألفاظ سهل، فإنها راجعة إلى معنى واحد، بخلاف الحديث السابق.
وعندي أن أحسن مثال لذلك: حديث البسملة السابق، فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب كما تقدم، والمضطرب يجامع المعلل؛ لأنه قد تكون علته ذلك.