المقدمة – ابن الصلاح (ص76 - 78)
قال الشافعي -رضي الله عنه-: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس".
وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز. ثم قال: "الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.
وذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ أن الشاذ: هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة. وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وُقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك.
قلت: أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول. وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد تفرد به عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث.
وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الولاء وهبته"، تفرد به عبد الله بن دينار.
وحديث مالك، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة وعلى رأسه المغفر". تفرد به مالك عن الزهري. فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة.
وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة. وقد قال مسلم بن الحجاج: "للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد". والله أعلم.
النكت على كتاب ابن الصلاح - ابن حجر (2/ 674)
الصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ.
فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 244 - 245)
معنى الشاذ لغة واصطلاحًا، والخلاف فيه:
والشاذ لغة: المنفرد عن الجمهور، يقال: شذ يشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذًا إذا انفرد، (وذو الشذوذ) يعني:
الشاذ اصطلاحًا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) بالهمز وسهل تخفيفًا، أي: الجماعة الثقات من الناس، بحيث لا يمكن الجمع بينهما. (فالشافعي) بهذا التعريف (حققه)، وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز وغيره عن المحققين؛ لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وهو مشعر بأن مخالفته للواحد الأحفظ كافية في الشذوذ، وفي كلام ابن الصلاح ما يشير إليه، حيث قال: "فإن كان مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا".
ولذا قال شيخنا: "فإن خولف -أي: الراوي- بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات -فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح، يقال له: الشاذ".
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 267 - 268)
النوع الثالث عشر: الشاذ
وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز: ما روى الثقة مخالفًا لرواية الناس، لا أن يروي) الثقة (ما لا يروي غيره)، هو من تتمة كلام الشافعي.
(قال) الحافظ أبو يعلى (الخليلي: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان) منه (عن غير ثقة فمتروك) لا يقبل، (وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به)، فجعل الشاذ مطلق التفرد لا مع اعتبار المخالفة.
(وقال الحاكم: هو ما انفرد به ثقة، وليس له أصل بمتابع) لذلك الثقة.
قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وُقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يُوقَف فيه على علة كذلك. فجعل الشاذ تفرد الثقة، فهو أخص من قول الخليلي.