المقدمة – ابن الصلاح (ص86)
وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الرد، كما سبق في نوع الشاذ.
الثاني: أن لا تكون فيه منافاة ومخالفة أصلًا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلًا، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه، وسبق مثاله في نوع الشاذ.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين، مثل: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 175 - 176)
قال الشيخ صلاح الدين العلائي: الذي يظهر من كلامهم خصوصًا المتقدمين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهما كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، وهذه الطبقة ومن بعدهم كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ومسلم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارقطني والخليلي، كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولًا وردًّا: الترجيحُ بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث، وهذا هو الحق.
قال: ومنهم من قبل الزيادة من الثقة مطلقًا، سواء اتَّحد المجلس أو تعدَّد، كَثُرَ الساكتون أو تساووا، فمن هؤلاء: ابنُ حبان والحاكم فقد أخرجا في كتابيهما اللذين التزما فيهما الصحة كثيرًا من الأحاديث المتضمنة للزيادة التي يتفرد بها راو واحد وخالف فيها العدد والأحفظ.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 183 - 184)
حاصل ما حكاه المصنف ثلاثة مذاهب:
أحدها: رد الزيادة مطلقًا، وحكاه ابن الصباغ في العدة عن قوم من أهل الحديث، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أبي بكر الأبهري.
والثاني: قبولها من غيره وردها منه.
والثالث: قبولها مطلقًا، وعزاه للجمهور، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن مالك، وسواء كانت من شخص واحد بأن رواه ناقصًا مرة ومرة كاملًا، أو كانت الزيادة من غير تعرض لشيء من الشروط.
قال: وإليه ذهب كافة المحققين، منهم: أبو حنيفة، وجرى عليه الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن برهان وغيرهم.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 184 - 185)
سبق في الكلام على المرسل من كلام الشافعي أن الزيادة من الثقة ليست مقبولة مطلقًا، وهو أثبت نقل عنه في المسألة، وفصل ابن الصباغ في العدة بين أن يتعدد المجلس فيكونا كالخبرين ويعمل بهما، وإن رويا ذلك عن مجلس واحد، فإن كان الذي نقل الزيادة واحدًا، والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان الناقل للزيادة عددًا كثيرًا فهي مقبولة وإن كان كل منهما واحدًا، فالأخذ برواية الضابط منهما وإن كانا ضابطين ثقتين كان الأخذ بالزيادة أولى.
النكت على كتاب ابن الصلاح - الزركشي (2/ 189 - 190)
قوله في تقسيم ما ينفرد به الثقة: هذا التقسيم ليس على وجهه فإن الأول والثاني لا مدخل لهما في زيادة الثقة بحسب الاصطلاح؛ فإن المسألة مترجمة بأن يروي الحديث جماعةٌ ويتفرد بعضهم بزيادة فيه، والقسمان قد فرضهما في أصل الحديث لا في الزيادة فيه، وإنما هما قسما الشاذ بعينه على ما ذكره هناك، فلا معنى لتكراره وإدخاله مسألةً في أخرى، فإن لاحظ أصلَ التفرُّدِ من حيث هو فليس الكلام فيه، والأحسن في هذا تقسيمٌ ذكره مسلم في مقدمة صحيحه ناقلًا له عن المحققين، وأوضحه القاضي في شرحه، فقال: اختلفوا في الراوي الثقةِ إذا انفرد بزيادة في حديث عن سائر رواة شيخه.
والصوابُ: ما ذهب إليه أهلُ التحقيق من الفريقين، وأشار إليه مسلم وهو أن الراويَ إن شارك الثقات في الحفظ والرواية قبل تفرده، وإن لم يشاركهم ولا وافقهم فيما رووه نظرٌ في تفرده، فإن انفردَ بزيادة الكثير مما لم يروه عن أشياخهم ولا عرفه أولئك المشاهير من حديثهم فلا يقبل وترك حديثه لتهمتنا له، وإن انفرد بالحديث الواحد من هذا الفن أو بزيادة في الحديث فإن مثل هذا يقبل منه لثقته، فإن ظهر فيها وهمه لم يقدح في عدالته احتمل بصحة حديثه واستقامة روايته لغيره، وتحمل زيادته هذه التي لم ير ما يبطلها ويعارضها؛ على أنه حفظ ما لم يحفظ غيره، وعلى هذا ألف أئمة الحديث الغريب والأفراد من الحديث، وعدوه في الصحيح، هذا كله لم يجِئ ما يعارضه، فإن حاورت الجماعة خلافه فالرجوع إلى قول الجماعة أولى من الترجيح، لا من باب القدح في الرواية.
ثم إطلاق المصنف زيادة اللفظة في القسم الثالث ينبغي أن تحمل على الزيادة المعنوية، كما يقتضيه مثاله، أما الزيادة اللفظية فإنها مقبولة بلا تردد كقوله: (ربنا لك الحمد، ولك الحمد).
نزهة النظر - ابن حجر (ص68 - 69)
وزيادة راويهما؛ أي: الصحيح والحسن؛ مقبولة؛ ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة: إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها؛ فهذه تقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد المرجوح.
فتح المغيث - السخاوي (1/ 261)
أقوال الأئمة في قبول الزيادة:
(واقبل) أيها الطالب (زيادات الثقات) من التابعين، فمن بعدهم مطلقًا (منهم) أي: من الثقات الراوين للحديث بدونها، بأن رواه أحدهم مرة ناقصًا ومرة بالزيادة. (ومن سواهم) أي: من سوى الراوين بدونها من الثقات أيضًا، سواء كانت في اللفظ أم المعنى، تعلق بها حكم شرعي أم لا، غيرت الحكم الثابت أم لا، أوجبت نقصًا من أحكام ثبتت بخبر آخر أم لا، علم اتحاد المجلس أم لا، كثر الساكتون عنها أم لا.
تدريب الراوي – السيوطي (1/ 286 - 287)
(ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها مطلقًا)، سواء وقعت ممن رواه أولًا ناقصًا أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا، وقد ادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول.
(وقيل: لا تقبل مطلقًا)، لا ممن رواه ناقصًا، ولا من غيره.
(وقيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصًا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصًا).
وقال ابن الصباغ فيه: إن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلسين، قبلت الزيادة، وكانا خبرين يعمل بهما، وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد، وقال: كنت أنسيت هذه الزيادة؛ قبل منه، وإلا وجب التوقف فيها.
وقال في "المحصول": فيه العبرة بما وقع منه أكثر، فإن استوى قبلت منه. وقيل: إن كانت الزيادة مغيرة للإعراب، كان الخبران متعارضين، وإلا قبلت، حكاه ابن الصباغ، عن المتكلمين، والصفي الهندي عن الأكثرين، كأن يروي في أربعين شاة، ثم في أربعين نصف شاة. وقيل: لا تقبل إن غيرت الإعراب مطلقًا. وقيل: لا تقبل إلا إن أفادت حكمًا. وقيل: تقبل في اللفظ دون المعنى، حكاهما الخطيب. وقال ابن الصباغ: إن زادها واحد، وكان من رواه ناقصًا جماعة لا يجوز عليهم الوهم، سقطت. وعبارة غيره: لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة.