الآية (1-10): يقسم تعالى بالسماء وما جَعَل فيها من الكواكب النيرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾، ثم فَسَّرَه بقوله: ﴿ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي النجم طارقًا لأنه إنما يُرَى بالليل ويختفي بالنهار.
﴿ الثَّاقِبُ ﴾ قال ابن عباس: المضيء. وقال السُّدِّي: يثقب الشياطين إذا أُرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.
﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ أي: كل نفس عليها من الله حافظ يَحرُسها من الآفات؛ كما قال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ الآية [الرعد:11].
قوله: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ تنبيه للإنسان على ضَعْف أصله الذي خُلِقَ منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قَدَر على البَدَاءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى. ﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ يعني: الـمَنِيَّ؛ يخرج دَفقًا من الرجل ومن المرأة، فيَتَوَلَّد منهما الوَلَد بإذن الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ يعني: صُلْب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها. وعن ابن عباس: موضعُ القلادة.
﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ فيه قولان: أحدهما: على رَجْع هذا الماء الدافق إلى مَقَرِّه الذي خَرَج منه ﴿ لَقَادِرٌ ﴾ على ذلك. قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما. والثاني: إنه على رَجْع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق؛ أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة ﴿ لَقَادِرٌ ﴾؛ لأن من قَدَر على البَدْء قَدَر على الإعادة. واختاره ابن جرير، ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ أي: يوم القيامة تُبْلَى فيه السرائر، أي: تَظْهَر وتَبدُو، ويبقى السرُّ علانيةً والمكنون مشهورًا. ﴿ فَمَا لَهُ ﴾ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ أي: في نفسه ﴿ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن يُنْقِذ نفسه من عذاب الله، ولا يستطيع له أحد ذلك.
الآية(11-17): ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ قال ابن عباس: الرَّجْع: المطر. وعنه: هو السحاب فيه المطر. وعنه: تمطر ثم تمطر. وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا وهلكَتْ مواشيهم. وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها، يأتينَ من ههنا.
﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾ قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات. وكذا قال غير واحد. ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ قال ابن عباس: حَقٌّ. وكذا قال قتادة. وقال آخر: حُكْمٌ عَدْل. ﴿ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ أي: بل هو حَقٌّ جِدٌّ.
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن. ثم قال: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: أَنْظِرْهم ولا تستعجل لهم، ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ أي: قليلًا. أي: وترى ماذا أُحِلُّ بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك.