حجم الخط:

[التفسير]

الآية (1-11): ﴿ وَالضُّحَىٰ هذا قَسَم منه تعالى بالضُّحَى وما جَعَل فيه من الضياء، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ أي: سَكَن فأظلَمَ وادلَـهَمَّ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا.

﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي: ما تَرَكَكَ، ﴿ وَمَا قَلَىٰ أي: وما أَبْغَضَكَ، ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ أي: والدار الآخرة خير لك من هذه الدار. ولهذا كان رسول الله أَزْهَدَ الناس في الدنيا، وأَعْظَمَهم لها اطِّرَاحًا، كما هو معلوم من سيرته. ولَـمَّا خُيِّرَ عليه السلام في آخر عُمره بين الـخُلْد في الدنيا إلى آخِرها ثمَّ الجنة، وبين الصَّيْرُورة إلى الله عز وجل اختار ما عند الله على هذه الدُّنيا الدَّنِيَّة.

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ أي: في الدار الآخرة يُعْطِيه حتى يُرضِيه في أُمَّته، وفيما أَعَدَّه له من الكرامة، ومن جُملَته نَهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، وطِينه مِسْك أَذْفَر.

ثم قال تعالى يُعدِّدُ نِعَمَه على عبده ورسوله محمد : ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ وذلك أن أباه تُوفِّي وهو حَمْلٌ في بطن أمه، وقيل: بعد أن وُلِدَ عليه السلام، ثم تُوُفِّيَتْ أمُّه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن تُوُفِّي وله من العُمر ثماني سنين، فكَفَلَه عمُّه أبو طالب.

﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ الآية [الشورى:52].

﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأَغْنَاكَ الله عمَّن سواه، فجَمَع له بين مقامي: الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه. وقال قتادة في قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ﴿٦ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ﴿٧ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ قال: كانت هذه منازل الرسول قبل أن يَبْعَثَه الله عز وجل.

﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ أي: كما كُنْتَ يتيمًا فآواك الله فلا تَقْهَر اليتيم، أي: لا تُذِلَّهُ وتَنْهَرْهُ وتُهِنْهُ، ولكن أَحسِنْ إليه، وتَلَطَّفْ به. قال قتادة: كُنْ لليَتِيم كالأب الرحيم. ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ أي: وكما كُنْتَ ضالًّا فهَدَاكَ الله، فلا تَنْهَرْ السائلَ في العِلْمِ الـمُسْتَرْشِدَ. قال ابن إسحاق: أي: فلا تكن جَبَّارًا ولا مُتَكَبِّرًا ولا فَحَّاشًا، ولا فَظًّا على الضُّعفَاء من عِبَاد الله. وقال قتادة: يعني رُدَّ المسكين برحمة ولين.

﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ أي: وكما كُنْتَ عائلًا فقيرًا فأَغْنَاكَ الله، فحَدِّثْ بنعمة الله عليك. وعن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يُحَدَّثَ بها. وعن أبي هريرة، عن النبي قال: «لا يَشْكُرُ اللهَ من لا يَشْكُر الناس» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني].