الآية (1-5): هذه الآيات الكريمات المباركات فيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كَرَمِه تعالى أن عَلَّم الإنسان ما لم يَعلَم، فشَرَّفَه وكَرَّمَه بالعِلْم، وهو القَدْر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعِلْم تارةً يكون في الأذهان، وتارةً يكون في اللسان، وتارةً يكون في الكتابة بالبنان، ذِهْنِيٌّ ولَفْظِيٌّ ورَسْمِيٌّ، والرَّسْمِيُّ يستلزمهما من غير عَكْس، فلهذا قال: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾. وفي الأثر: قَيِّدُوا العلم بالكتابة.
الآية (6-12): يُخْبِر تعالى عن الإنسان أنه ذو فَرَح وأَشَر وبَطَر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكَثُرَ ماله. ثم تَهدَّده وتَوَعَّدَه ووَعَظَه فقال: ﴿ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴾ أي: إلى الله المصير والمرجع، وسيُحَاسِبُك على مالك: من أين جَمَعْتَه؟ وفِيمَ صَرَفْتَه؟
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ ﴾ نَزَلَتْ في أبي جهل لعنه الله؛ توَعَّد النبيَّ ﷺ على الصلاة عند البيت، فوَعَظَه الله تعالى بالتي هي أحسن أولًا، فقال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ ﴾؟! أي: فما ظَنُّكَ إن كان هذا الذي تَنهَاهُ على الطريق المستقيمة في فِعْلِه؟! ﴿ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ ﴾ بقوله، وأنت تَزْجُره وتَتَوَعَّده على صلاته؟! ولهذا قال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٣﴾ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ ﴾.
الآية (13-19): ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٣﴾ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ ﴾ أي: أمَا عَلِمَ هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يَراه ويَسمَع كلامه، وسيُجَازيه على فِعْله أَتَمَّ الجزاء. ثم قال تعالى مُتَوعِّدًا ومتهدِّدًا: ﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ﴾ أي: لئن لم يَرجِعْ عمَّا هو فيه من الشِّقَاق والعِنَاد ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ أي: لنَسِمَنَّها سَوَادًا يوم القيامة.
ثم قال: ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ يعني: ناصية أبي جهل كاذبةٌ في مقالها خاطئةٌ في فِعَالها. ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ أي: قومه وعشيرته، أي: ليَدْعُهم يَستَنْصِر بهم، ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾ وهم ملائكة العذاب، حتى يَعلَم من يَغْلِبُ: أَحِزْبُنا أَوْ حِزْبُهُ؟! عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا يصلي عند الكعبة لَأَطَأَنَّ على عُنُقه. فبَلغَ النبي ﷺ، فقال: «[لو][1] فَعَلَه لأَخَذَتْه الملائكة» [رواه البخاري].
﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ ﴾ يعني: يا محمد، لا تُطِعْهُ فيما يَنهَاكَ عنه من المداومة على العبادة وكَثْرَتها، وصَلِّ حيثُ شِئْتَ ولا تُبَالِهِ؛ فإن الله حَافِظُك وناصِرُك، وهو يَعصِمُك من الناس، ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ كما ثَبَتَ عند مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» وتقدم عن أبي هريرة قال: سَجَدْنا مع رسول الله ﷺ في ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ و﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [رواه مسلم].