الآية (1-5): ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾ أما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصارى، والمشركون: عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم. وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ يعني: مُنْتَهِين حتى يَتَبَيَّن لهم الحقُّ. وكذا قال قتادة. ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ ثم فَسَّرَ البينةَ بقوله: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ يعني: محمدًا ﷺ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مُكْتَتَبٌ في الملأ الأعلى، في صُحُف مُطَهَّرة؛ كقوله: ﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس:14-16].
﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ قال ابن جرير: أي في الصُّحُف المطهرة كُتُب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله عز وجل. قال قتادة: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾: يَذْكُر القرآن بأَحْسَن الذِّكْر، ويُثْنِي عليه بأَحْسَن الثَّنَاء. وقال ابن زيد: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾: مستقيمة معتدلة. ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ يعني بذلك: أهل الكُتُب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الـحجج والبينات تفرَّقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا. وقوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ كقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء:25]؛ ولهذا قال: ﴿ حُنَفَاءَ ﴾ أي: مُتَحَنِّفين عن الشرك إلى التوحيد. ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ وهي أشرف عبادات البدن، ﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج، ﴿ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة -كالزهري والشافعي- بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾.
الآية (6-7): يُخْبِر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكُتُب الله المنزلة وأنبياء الله الـمُرْسَلَة: أنهم يوم القيامة ﴿ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي: ماكثين، لا يُحَوَّلُون عنها ولا يَزُولُون. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ أي: شَرُّ الخليقة التي بَرَأَها الله وذَرَأَها.
ثم أَخْبَر تعالى عن حال الأبرار -الذين آمنوا بقلوبهم، وعَمِلُوا الصالحات بأبدانهم- بأنهم خير البرية. وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾.
الآية (8): ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ، ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ ومقام رضاه عنهم أعلى ممَّا أُوتُوه من النعيم الـمُقِيم، ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ فيما مَنَحَهم من الفضل العميم، ﴿ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ أي: هذا الجزاء حاصل لمن خَشِيَ الله واتَّقَاه حقَّ تَقْوَاه، وعَبَدَه كأنَّه يَرَاه، وقد عَلِمَ أنه إن لم يَرَه فإنه يَرَاه.