حجم الخط:

الآيات (1-11)

الآية (1-4): أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وكان نبيًا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارًا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة. قوله: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا يُنسَب في طلب الولد إلى الرُّعونة لكِبَرِه. وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحبُّ إلى الله؛ كما قال قتادة في ﴿ خَفِيًّا : إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي. قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي: ضعفت وخارت القوى، ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا أي: اضطرم المشيب في السواد. والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة. قوله: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تَرُدَّني قطُّ فيما سألتك.

الآية (5-6): قوله: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي قال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. ووجهُ خوفه: أنه خشـيَ أن يتصرفوا بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده ليسوسهم بنبوّته ما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشـي من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظمُ منزلة وأجلُّ قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف مِن وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم. هذا وجه. الثاني: أنه لم يُذْكَرْ أنه كان ذا مال، بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث: أنه قد ثبت أن رسول الله قال: «لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة» [متفق عليه]. وعلى هذا فتعيَّن حمل قوله: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴿ يَرِثُنِي على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ؛ كقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل:16] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لـمَا خصَّه من بين إخوته بذلك، ولَـمَا كان في الإخبار بذلك كبير فائدة؛ إذ من المعلوم المُسْتَقِرِّ في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لَـمَا أخبر بها، وكل هذا يقرره ويُثبته حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نُورَثُ، ما تركنا فهو صدقة» [النسائي في السنن الكبرى، وأصله في الصحيحين كما سبق]. قوله: ﴿ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي: مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخُلقه.

الآية (7): هذا الكلام يتضمن محذوفًا؛ وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له: ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ كما قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:38-39]. قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي: لم يُسَمَّ أحد قبله بهذا الاسم، وعن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله، وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة -عليهما السلام- فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لِعقرهما؛ ولهذا قال: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر:54]، مع أنه كان قد وُلِدَ له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته: ﴿ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:72-73].

الآية (8-9): ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا هذا تعجُّب من زكريا عليه السلام حين أُجيب إلى ما سأل، وبُشِّر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كِبَرِها، ومع أنه قد كَبُرَ وعَتَا، أي: عَسَا عَظمُه ونَحُل ولم يبقَ فيه لقاح ولا جماع. وقال مجاهد: ﴿ عِتِيًّا يعني: نحول العظم. وقال ابن عباس: الكِبَر. والظاهر أنه أخص من الكبر. ﴿ قَالَ أي: الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه: ﴿ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ﴿ هَيِّنٌ أي: يسيرٌ سهل على الله. ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1].

الآية (10-11): يقول تعالى مخبرًا عن زكريا عليه السلام أنه ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي: علامة ودليلًا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الآية [البقرة:260]. قوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أي: علامتك ﴿ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا أي: أن تحبسَ لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة؛ كما قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران:41]. وهذا دليل على أنه لم يكن يُكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿ إِلَّا رَمْزًا أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ أي: الذي بُشّر فيه بالولد، ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أي: أشار إشارة خفيّةً سريعة: ﴿ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا أي: موافقة له فيما أُمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرًا لله على ما أولاه.