الآية (1): ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ يمجّد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك؛ أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله. ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
الآية (2): ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾ معنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملًا؛ كما قال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ [البقرة:28]. فسمى الحال الأول -وهو العدم- موتًا، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة:28]. ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ أي: خيرٌ عملًا؛ كما قال محمد بن عَجْلان: ولم يقل أكثر عملًا. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزًا، هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز.
الآية (3): ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾ أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني؛ كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. قوله: ﴿ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ ﴾ أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا؟! قال ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِنْ فُطُورٍ ﴾ أي: شقوق. وقال السُّدي: أي: من خُروق. وقال قتادة: أي: هل ترى خَلَلًا يا ابن آدم؟!
الآية (4): ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ قال: مرتين ﴿ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا ﴾ قال ابن عباس: ذليلًا. وقال مجاهد وقتادة: صاغرًا. ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: يعني: وهو كليل. وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء. ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر، مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر، ﴿ خَاسِئًا ﴾ عن أن يرى عيبًا أو خللًا، ﴿ وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ أي: كليل، وقد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصًا.
الآية (5): ولما نفى عنها في خلقها النقص بيَّن كمالها وزينتها فقال: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ۖ ﴾ عاد الضمير في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا ﴾ على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يُرمى بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى؛ كما قال في أول الصافات: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿٧﴾ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ [الصافات:6-10]. قال قتادة: إنما خُلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.
الآية (6-8): يقول: وأعتدنا للذين كفروا بربهم عَذَابَ جهنم ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي: بئس المآل والمنقلب. ﴿ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا ﴾ قال ابن جرير: يعني الصياح. ﴿ وَهِيَ تَفُورُ ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحَبّ القليل في الماء الكثير. ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾؟!
الآية (9-11): ﴿ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه؛ كما قال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء:15]، وقال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [الزمر:71]. وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال الله تعالى: ﴿ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ عن أبي البَخْتَريّ الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يهلك الناس حتى يُعذِروا من أنفسهم» [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني].
الآية (12): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكَفُّ عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: تُكفَّر عنه ذنوبه، ويُجازَى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» منهم: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».