حجم الخط:

الآيات (1-16)

الآية (1-12): ﴿ الْوَاقِعَةُ من أسماء يوم القيامة، سُمِّيَتْ بذلك لتَحَقُّق كونها ووجودها. ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ أي: ليس لوقوعها -إذا أراد الله كونها- صارف يَصْرِفها، ولا دافع يَدْفَعُها.

﴿ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ أي: تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزّاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليّين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وُضَعاء. وهكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما.

﴿ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي: حُرِّكَتْ تحريكًا فاهتزَّت واضطربت بطولها وعرضها. ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد: زُلْزِلَتْ زلزالًا كقوله تعالى: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة: 1]. ﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا أي: فُتِّتَتْ فَتًّا. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال تعالى: ﴿ كَثِيبًا مَهِيلًا [المزمل:14].

﴿ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا قال علي رضي الله عنه: كرَهَج الغبار يَسْطَع ثم يَذْهَب، فلا يبقى منه شيء. وقال عكرمة: الـمُنْبَثُّ: الذي ذَرَّتْه الريح وبَثَّتْه. وهذه الآية كأخواتها الدَّالَّة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونَسْفِها -أي قَلْعِها- وصَيْرُورتها ﴿ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة:5]. وقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن ويُؤْتَوْن كتبهم بأيمانهم، ويُؤْخَذُ بهم ذات اليمين. قال السدي: وهم جمهور أهل الجنة.. وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويُؤْتَوْن كتبهم بشمائلهم، ويُؤْخَذُ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار -عياذًا بالله من صنيعهم- وطائفة سابقون بين يديه عز وجل ، وهم أَخَصُّ وأَحْظَى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصِّدِّيقون والشهداء، وهم أقل عددًا من أصحاب اليمين، وهكذا قَسَمَهُم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وَقْت احتضارهم، قال مجاهد: ﴿ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً : فِرَقًا ثلاثةً. وقال عثمان بن سراقة: اثنان في الجنة، وواحد في النار. وقوله: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال محمد بن كعب: هم الأنبياء، عليهم السلام. وقال السدي: هم أهل عليين. وعن ابن سيرين: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ الذين صلوا للقبلتين. وهذه الأقوال كلها صحيحة؛ فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فِعْل الخيرات كما أُمِرُوا، فمَن سابق في هذه الدنيا وسَبَق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تَدِينُ تُدَانُ؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ .

الآية (13-16): ﴿ ثُلَّةٌ أي: جماعة ﴿ مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٣ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قيل: المراد بالأولين: الأمم الماضية، والآخرين: هذه الأمة. وهو اختيار ابن جرير، وفيه نظر، بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن، فيبعد أن يكون المقرَّبون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يُقَابَلَ مجموع الأمم بهذه الأمة. والظاهر أن المقرَّبين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم، والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله: ﴿ الْأَوَّلِينَ أي: من صدر هذه الأمة، و﴿ الْآخِرِينَ أي: من هذه الأمة. وهذا قول الحسن وابن سيرين. ولا شكَّ أنَّ أوَّل كلِّ أمة خير من آخرها، فيُحْتَمَل أن يَعُمَّ الأمر جميع الأُمَم، كلُّ أمَّة بحَسَبِها.

﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ قال ابن عباس: أي مَرْمُولَة بالذهب، يعني: مَنْسُوجَة به. وقال ابن جرير: السُّرُر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلئ. ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ أي: وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد.