حجم الخط:

الآيات (1-19)

الآية (1-2): تقدم غير مرة أن المقسم عليه متى كان منتفيًا، جاز الإتيان بـ(لا) قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسم عليه ههنا هو إثبات الميعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد، من عدم بَعث الأجساد، ولهذا قال: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا، واختاره ابن جرير. قال الحسن البصري: إن المؤمن -والله- ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟! ما أردتُ بأكلتي؟! ما أردت بحديث نفسي؟! وإن الفاجر يمضي قُدُمًا ما يعاتب نفسه. وقال سعيد بن جبير: تلوم على الخير والشر. وقال مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال ابن عباس: ﴿ اللَّوَّامَةِ المذمومة. وقال قتادة: الفاجرة. قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات.

الآية (3-15): ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟! ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ قال ابن عباس: أن نجعله خُفًّا أو حافرًا. وكذا قال ابن جرير. ووجهه بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا. والظاهر من الآية أن قوله: ﴿ قَادِرِينَ حال من قوله: ﴿ نَجْمَعَ أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟! ﴿ بَلَىٰ سنجمعها ﴿ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه- مستوية. ﴿ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ قال ابن عباس: يعني: يمضي قُدُمًا. وقال: يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة. ورُوي عن عِكرمة وغير واحد من السلف: هو الذي يعجل الذنوبَ ويُسوّف التوبة. وقال ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ؟! أي: يقول: متى يكون يوم القيامة؟! وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده. ﴿ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ قال أبو عمرو بن العلاء: ﴿ بَرِقَ بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿ [إبراهيم: 43]، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء؛ من شدة الرعب.

وقرأ آخرون: ﴿بَرَق بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود: أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور. ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ أي: ذهب ضوؤه، ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ قال مجاهد: كُوّرا. ﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ أي: إذا عاين ابنُ آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: أين المفر؟! أي: هل من ملجأ أو موئل؟! ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أي: لا نجاة. ﴿ لَا وَزَرَ أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه. ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ أي: المرجع والمصير. ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ أي: يُخبَر بجميع أعماله: قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها. ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴿١٤ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]. قال ابن عباس: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يقول: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه وجوارحُه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وقال مجاهد: ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يُقبل منه. وقال السدي: حجته. واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس: لو ألقى ثيابه. والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ [الأنعام: 23].

الآية (16-19): هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله في كيفية تلقّيه الوحي من الملَك؛ فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابقُ الَملَكَ في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعُه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ أي: بالقرآن، كما قال: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]. ﴿ إِنَّ أي: في صدرك، ﴿ أي: أن تقرأه، ﴿ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله عز وجل ﴿ أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.

[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه -قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله يحرك شفتيه. وقال لي سيعد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه- فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦ إِنَّ قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه، ﴿ فاستمع له وأنصت، ﴿ . فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه [متفق عليه]. وقد روى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦ إِنَّ أن نجمعه لك ﴿ أن نقرئك فلا تنسى. وقال ابن عباس: ﴿ تبيين حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة.