الآية (1-5): عن ابن مسعود قال: ﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴾ وهي: الملائكة، ﴿ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴾ وهي: الملائكة، ﴿ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴾ هي: الملائكة. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء. روى مسلم عن جابر ابن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تَصُفّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟!» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ: «يُتِمّون الصفوف المتقدمة، ويَتَراصون في الصف». وقال السُّدي: معنى قوله: ﴿ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴾ أنها تزجر السحاب. وقال الربيع بن أنس: ما زجر الله عنه في القرآن. ﴿ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴾ قال السُّدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله: ﴿ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ [المرسلات:5-6]. ﴿ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾ هذا هو المقسم عليه؛ أنه تعالى لا إله إلا هو ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ أي: من المخلوقات، ﴿ وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴾ أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴾ [المعارج:40].
الآية (6-8): يخبر تعالى أنه زَيّن السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض ﴿ بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾، قُرئ بالإضافة وبالبدل[1]، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوؤها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:5]. وقوله: ﴿ وَحِفْظًا ﴾ تقديره: وحفظناها حفظًا ﴿ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه؛ ولهذا قال: ﴿ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ ﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله بما يقوله من شرعه وقدره. ولهذا قال: ﴿ وَيُقْذَفُونَ ﴾ أي: يُرمَون ﴿ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴾ أي: من كل جهة يقصدون السماء منها.
الآية (9-10): ﴿ دُحُورًا ﴾ أي: رجمًا يُدحرون به ويُزجرون، ويُمنعون من الوصول إلى ذلك. ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر؛ كما قال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:5]. ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقدَر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، ولهذا قال: ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ أي: مستنير.
الآية (11-19): يقول تعالى: فَسَل هؤلاء المنكرين للبعث: أيّما أشد خلقًا هم أم السموات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟! فإنهم يُقرّون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلِم ينكرون البعث؟! وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؛ كما قال: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾ [غافر:57]. ثم بيّن أنهم خُلقوا من شيء ضعيف فقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾ قال مجاهد: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال ابن عباس: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ أي: بل عجبت -يا محمد- من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب -وهو إعادة الأجسام بعد فنائها- وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك. ﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً ﴾ أي: دلالة واضحة على ذلك ﴿ يَسْتَسْخِرُونَ ﴾ قال مجاهد: يستهزئون. ﴿ وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾ يستبعدون ذلك ويكذبون به. ﴿ قُلْ نَعَمْ ﴾ أي: قل لهم يا محمد: نعم تُبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابًا وعظامًا، ﴿ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴾ أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة؛ كما قال: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ [النمل:87]. ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ أي: إِنما هو أمر واحد من الله، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم قيام بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
الآية (20-24): يخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدِمُوا كلَّ الندم حيث لا ينفعهم الندم ﴿ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾. فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾. وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ. ويأمر الله الملائكة أن تُميزَ الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم؛ ولهذا قال: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ قال النعمان بن بشير: يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم. وعن عمر قال: أشباههم. يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر. ﴿ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، تُحشر معهم في أماكنهم. ﴿ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم.
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾ أي: قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا، كما قال الضحاك. عن ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن المبارك: سمعت عثمان بن زائدةَ يقول: إن أول ما يُسأل عنه الرجل جلساؤه.