الآية (1-4): قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴾ قال مجاهد: يعني الثُّريَّا إذا سقطت مع الفجر. واختاره ابن جرير. ﴿ إِذَا هَوَىٰ ﴾ قال الضحاك: إذا رُمِي به الشياطين. وعن مجاهد: القرآن إذا نَزَل. ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه بَارٌّ راشد تابع للحقِّ، ليس بضالٍّ، وهو: الجاهل الذي يَسْلُك على غير طريق بغير عِلْم ﴿ وَمَا غَوَىٰ ﴾ الغَاوي: هو العالم بالحقِّ العادل عنه قَصْدًا إلى غيره، فنَزَّهَ الله رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضَّلَال كالنصارى وطرائق اليهود. ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوًى وغَرَض ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ إنما يقول ما أُمِرَ به، يُبَلِّغُه إلى الناس كاملًا مُوَفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان.
الآية (5-18): يقول تعالى: محمد ﷺ ﴿ عَلَّمَهُ ﴾ الذي جاء به إلى الناس ﴿ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴾ وهو جبريل عليه السلام كما قال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ٢٠ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير: 19 -21].
﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ ذو قوة. قاله مجاهد والحسن وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر حَسَن. ولا منافاة بين القولين؛ فإنه -عليه السلام- ذو منظر حسن، وقوة شديدة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. ﴿ فَاسْتَوَىٰ ﴾ يعني: جبريل عليه السلام. قاله مجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس. ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ﴾ يعني: جبريل، استوى في الأفق الأعلى. قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى: الذي يأتي منه الصُّبح. ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لَـمَّا هَبَط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ ﴿ قَابَ قَوْسَيْنِ ﴾ أي: بقدرهما إذا مُدّا. قاله مجاهد وقتادة. ﴿ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات الـمُخْبَر عنه ونَفْي ما زاد عليه؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74]، أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة.. فهذا تحقيق لِلمُخْبَر به لا شَكَّ ولا تَرَدُّد. والذي قلناه -من أن هذا الـمُقْتَرِب الداني الذي صار بينه وبين محمد ﷺ إنما هو جبريل عليه السلام- هو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذر وأبي هريرة. فعلى ما ذكرناه يكون قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ﴾ معناه: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى. أو: فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكِلا المعنيين صحيح.
﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴿١١﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ﴾ روى مسلم عن ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين وكذا قال أبو صالح والسُّدِّي وغيرهما، وقد خالفه ابن مسعود وغيره، وفي رواية عنه أنه أَطلَق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد. ومن رَوَى عنه بالبصر فقد أَغْرَب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة. وعن أبي ذر: سألتُ رسول الله ﷺ: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «نورٌ أَنَّى أَرَاهُ». وفي رواية: «رَأَيْتُ نُورًا» [رواه مسلم]. ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴿١٣﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ﴿١٤﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ﴾ هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خَلَقَه الله عليها، وكانت ليلة الإسراء، ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴾ عن ابن مسعود قال: فَرَاش من ذَهَب. انفرد به مسلم. ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴾ قال ابن عباس: ما ذَهَبَ يمينًا ولا شمالًا، ﴿ وَمَا طَغَىٰ ﴾ ما جاوز ما أُمِرَ به. وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة؛ فإنه ما فَعَلَ إلا ما أُمِرَ به، ولا سألَ فوق ما أُعْطِيَ. ﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴾ كقوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ [طه: 23] أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا. وبهاتين الآيتين استدل من ذَهَب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع؛ لأنه قال: ﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴾ ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس.
الآية (19-26): يقول تعالى مُقَرِّعًا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ ﴾؟! وكانت «اللَّات» صخرةً بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فِنَاء مُعَظَّم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها.
قال ابن جرير: وكانوا قد اشتَقُّوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللَّات، يعنون مؤنثة منه تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وَحُكِيَ عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس: أنهم قرؤوا «اللاتّ» بتشديد التاء، وفَسَّرُوه بأنه كان رجلًا يَلُتُّ للحجيج في الجاهلية السَّوِيقَ، فلمَّا مات عَكَفوا على قبره فعَبَدوه. قال ابن جرير: وكذا العُزَّى من العزيز. وكانت شجرةً عليها بناء وأستار بنَخْلَة، وهي بين مكة والطائف. وأما «مَناة» فكانت بالمُشَلَّل -عند قُدَيد، بين مكة والمدينة- وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظِّمونها. وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أُخَر غير هذه الثلاثة التي نَصَّ عليها في كتابه العزيز، وإنما أَفْرَد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.
﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ ﴾؟! أي: أتجعلون له وَلَدًا، وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت قسمةً ﴿ ضِيزَىٰ ﴾ أي: جَوْرًا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جَوْرًا وسَفَهًا. ثم قال: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾ من تلقاء أنفسكم ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ ﴾ أي: من حجة، ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ﴾ ليس لهم مستند إلا حُسْن ظَنِّهم بآبائهم الذين سَلَكُوا هذا الـمَسْلَك الباطل قبلهم، وإلا حَظَّ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ ﴾ أي: ولقد أَرْسَلَ الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به، ولا انقادوا له.
﴿ أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ ليس كل من تمنى خيرًا حَصَل له، ما كل من زَعَم أنه مهتدٍ يكون كما قال، ولا كلُّ من وَدَّ شيئًا يَحْصُل له؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى؛ فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته». تفرد به أحمد [وصحح إسناده أحمد شاكر].
﴿ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ ﴾ إنما الأمر كُلُّه لله، مالك الدنيا والآخرة ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾ كقوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] فإذا كان هذا في حَقِّ الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعةَ هذه الأصنام والأنداد عند الله؟!