حجم الخط:

الآيات (1-5)

الآية (1): أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقَدَّمنا أن كل سورة تُبتدأ بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن، وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مِرية ولا ريب؛ ولهذا قال: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن. ثم عطف على ذلك عطفَ صفات فقال: ﴿ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي: يا محمد ﴿ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ . وقوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ كقوله: ﱡﭐ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح، لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.

الآية (2): يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره ﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، بل بإذنه وأمره، وتسخيره رفعها عن الأرض بُعدًا لا تُنالُ ولا يُدرَكُ مداها. قوله: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا قال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القُبَّة، يعني بلا عمد. وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج:65]، فعلى هذا يكون قوله: ﴿ تَرَوْنَهَا تأكيدًا لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عَمَد كما ترونها. هذا هو الأكمل في القدرة. قوله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ تقدم تفسير ذلك في سورة «الأعراف»، وأنه يُمَرَّر كما جاء من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علوًا كبيرًا. قوله: ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]. وقيل: المراد إلى مستقرهما، وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش؛ لأنه - على الصحيح الذي تقومُ عليه الأدلة - قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك؛ لأنه له قوائمَ وحَمَلة يحملونه ولا يتصور هذا في الفلك المستدير، وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف من الثوابت فإذا كان سخر هذه فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى. وقوله: ﴿ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يُعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه.

الآية (3-4): لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرسَاها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون لسقي ما جُعِلَ فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح، من كل زوجين اثنين، أي: من كل شكل صنفان. ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ أي: جعل كلًا منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غَشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضًا في الزمان كما تصرف في المكان والسكان. ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: في آلاء الله وحكمته ودلائله. قوله: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ أي: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا، مع أن هذه طيبة تُنْبتُ ما ينتفع به الناس، وهذه سَبَخة مالحة لا تُنْبتُ شيئًا. هكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر وغيرهم. وكذا يدخل في هذه الآية اختلافُ ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه مُحجَّرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات!! فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. قوله: ﴿ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ يحتمل أن تكون [الواو] عاطفة على ﴿ وَجَنَّاتٌ فيكون ﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفًا على ﴿ أَعْنَابٍ ، فيكون مجرورًا؛ ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة. قوله: ﴿ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ الصنوان: هي الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل، ونحو ذلك. وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار. قوله: ﴿ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ أي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عَفِص[1]، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق. ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

الآية (5): يقول تعالى لرسوله محمد : ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ من تكذيب هؤلاء المشركين بأمر المعاد مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلالاته في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقًا جديدًا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذّبوا به، فالعجب من قولهم: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة سهلة عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33]. ثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ أي: يُسْحَبُون بها في النار ﴿ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أي: ماكثون فيها أبدًا، لا يحولون عنها ولا يزولون.