حجم الخط:

الآيات (1-5)

الآية (1-3): قد تقدَّم الكلام على الحروف المقطَّعة في أوائل السور. ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عَرَبهم وعَجَمهم. ﴿ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب لتُخرِج الناس ممَّا هم فيه من الضلال والغيِّ إلى الهدى والرُّشْد؛ كما قال: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ الآية [البقرة:257]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ الآية [الحديد:9].

وقوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي: هو الهادي لمن قَدَّر له الهداية على يدَي رسوله المبعوث عن أمره، يهديهم ﴿ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الذي لا يُمانَع ولا يُغالَب، بل هو القاهر لكل ما سواه، ﴿ الْحَمِيدِ أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره.

وقوله: ﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ صفة لِلْجَلَالَة، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:158].

﴿ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذَّبوك.

ثم وَصَفَهم بأنهم يستحبُّون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدِّمونها ويُؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونَسُوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهي اتباع الرسل، ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أي: ويحبُّون أن تكون سبيل الله عوجًا مَائِلَةً عَائِلَةً، وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرُّها من خالفها ولا من خَذَلَـها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يُرجى لهم -والحالة هذه- صلاح.

الآية (4): هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يُرسِل إليهم رُسُلًا منهم بلُغَاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أُرْسِلُوا به إليهم.

وقوله: ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يُضِلُّ تعالى من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿ الْحَكِيمُ في أفعاله، فَيُضِلُّ من يستحقُّ الإضلال، ويهدي من هو أهلٌ لذلك. وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبيًّا في أمة إلا أن يكون بِلُغَتِهم، فاختصَّ كل نبيٍّ بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختصَّ محمدَ بن عبد الله رسولَ الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثَبَت في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعطَهُن أحد من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر، وَجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، وأُعْطِيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبْعَث إلى قومه، وَبُعِثْتُ إلى الناس عامة»، وله شواهد من وجوه كثيرة، وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

الآية (5): يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لِتُخْرِجَ الناس كلهم، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى في بني إسرائيل بآياتنا. قال مجاهد: وهي التسع الآيات. ﴿ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ أي: أمرناه قائلين له: ﴿ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أي: ادعُهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان.

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي: بِأَيَادِيهِ ونِعَمِهِ عليهم في إخراجه إياهم مِن أَسْرِ فرعون وقَهْرِه وظلمه وغَشْمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وَفَلْقِهِ لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم الـمَنَّ والسَّلْوَى، إلى غير ذلك من النِّعَم. قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يدِ فرعون، وأنجيناهم ممَّا كانوا فيه من العذاب المهين ﴿ لَآيَاتٍ : لعبرة ﴿ لِكُلِّ صَبَّارٍ أي: في الضـرَّاء ﴿ شَكُورٍ أي: في السرَّاء، كما جاء عن رسول الله أنه قال: «إن أَمْر المؤمن كُلَّه عَجَب، لا يَقضِي الله له قَضَاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضـرَّاء صَبَر فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شَكَر فكان خيرًا له» [رواه مسلم بمعناه].