حجم الخط:

الآيات (1-5)

الآية (1-2): يقول تعالى آمرًا عباده بتقواه، ومخبرًا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزَلازلها وأحوالها. وقد اختلف المفسِّرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نُشُورهم إلى عَرصَات القيامة، أو ذلك عِبارة عن زَلزَلة الأرض قبل قيام الناس من أَجداثهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:1-2]. فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عُمُر الدنيا، وأوَّل أحوال الساعة. وعن عَلْقَمَة قال: قبل الساعة. وقال الشعبي: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.

[فـ] هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأُضِيفَت إلى الساعة لقُرْبها منها، كما يُقال: أشراط الساعة ونحو ذلك، والله أعلم.

وقال آخرون: بل ذلك هَولٌ وفَزَع وَزِلْزَال وبِلْبَال كائن يوم القيامة في العَرَصَات، بعد القيامة من القبور. واختار ذلك ابن جرير. واحتَجُّوا بأحاديث [منها حديث] أبي سعيد قال: قال رسول الله : «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبَّيْك ربَّنا وسَعْدَيْك. فيُنادي بصوت: إن الله يأمرك أن تُخْرِجَ من ذرِّيَّتك بَعثًا إلى النار. قال: يا رب، وما بَعْثُ النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. فحينئذٍ تضع الحامل حملها، ويَشيب الوليد، ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ..» [متفق عليه]. ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أي: أمر كبير، وخَطْب جليل، وطارق مُفْظِعٌ، وحادث هَائل، وكائن عَجِيب. والزلزال: هو ما يَحصُلُ للنفوس من الفَزَع والرُّعْب.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا هذا من باب ضمير الشأن؛ ولهذا قال مُفَسِّرًا له: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ أي: تَشتَغِل -لِـهَوْل ما تَرَى- عن أَحبِّ الناس إليها، والتي هي أَشْفَق الناس عليه، تدهش عنه في حال إرضاعها له؛ ولهذا قال: ﴿ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ، ولم يقل: «مُرضِع»، وقال: ﴿ عَمَّا أَرْضَعَتْ أي: عن رضيعها قبل فطامه. ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا أي: قبل تمامه لِشدَّة الهول، ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ أي: من شِدَّة الأمر الذي صاروا فيه قد دَهِشَتْ عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حَسِبَ أنهم سُكارى، ﴿ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .

الآية (3-4): يقول تعالى ذامًّا مَن كَذَّب بالبعث، وأَنكَر قدرة الله على إحياء الموتى، مُعْرِضًا عمَّا أَنزَل الله على أنبيائه، مُتَّبِعًا في قوله وإنكاره وكفره كلَّ شيطان مَريد من الإنس والجنِّ، وهذا حال أهل الضلال والبدع، المعرضين عن الحق، الـمُتَّبِعِين للباطل؛ يتركون ما أَنزَله الله على رسوله من الحقِّ المبين، ويتَّبِعُون أقوال رؤوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: عِلْم صحيح، ﴿ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴿٣ كُتِبَ عَلَيْهِ قال مجاهد: يعني الشيطان، يعني: كُتِبَ عليه كتابةً قدريةً ﴿ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ أي: اتَّبَعَه وقَلَّدَه، ﴿ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ أي: يُضِلُّه في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحارُّ الـمُؤْلِمُ الـمُزْعِجُ الـمُقْلِق.

الآية (5): لَـمَّا ذَكَر تعالى المخالف للبعث، المنكر للمعاد، ذَكَر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يُشاهَد من بَدْئِه للخلق، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ أي: في شَكٍّ ﴿ مِنَ الْبَعْثِ وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ أي: أصل بَرْئِه لكم من تراب، وهو الذي خُلِق منه آدم عليه السلام، ﴿ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي: ثم جَعَلَ نَسلَه من سلالة من ماء مَهين، ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ؛ ذلك أنه إذا استقرَّت النطفة في رَحِم المرأة مَكَثَت أربعين يومًا كذلك، يُضَاف إليه ما يَجتَمع إليها، ثم تَنقَلِب علقةً حمراء بإذن الله، فتَمْكُث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغةً -قطعةً من لَـحْم لا شَكْلَ فيها ولا تخطيط- ثم يَشرَع في التشكيل والتخطيط، فيُصَوَّر منها رأس ويَدَان، وصَدْر وبَطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء. فتَارَة تُسقِطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارةً تُلقِيها وقد صارت ذات شَكْل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي: كما تشاهدونها. ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى أي: وتارةً تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تُسقِطها؛ عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله -وهو الصادق المصدوق-: «إن خَلْق أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين ليلةً، ثم يكون عَلقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يَبعَث الله إليه الملَك فيُؤمَر بأربع كلمات: بكَتْب عمله وأجله ورزقه، وشَقيّ أو سعيد، ثم يُنْفَخُ فيه الروح» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي: ضعيفًا في بَدَنه، وسمعه وبَصَره وحوَاسه، وبَطشِه وعَقْلِه. ثم يُعطِيه الله القوة شيئًا فشيئًا، ويَلطُف به، ويُحْنِن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أي: يَتَكامل الْقُوَى ويتزايد، ويَصِل إلى عُنْفُوَان الشباب وحُسْن المنظر، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ أي: في حال شبابه وقواه، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ وهو الشيخوخة والـهَرَم وضعف القوة والعقل والفَهْم، وتناقص الأحوال من الـخَرَف وضَعْف الفكر؛ ولهذا قال: ﴿ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا . وقوله: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يُحْيِى الأرض الميتة الهامدة، وهي القَحْلَة التي لا نَبْتَ فيها ولا شيء، ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أي: فإذا أنزل الله عليها المطر ﴿ اهْتَزَّتْ أي: تحرَّكت وحَيِيَتْ بعد موتها، ﴿ وَرَبَتْ أي: ارتفعت لَـمَّا سَكَن فيها الثرَى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أي: حَسَن المنظر طَيِّب الريح.