الآية (1-5): قد تقدَّم الكلام على الحروف المقطعة.
وقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي: هذه ﴿ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ أي: الواضح الـجَلِيِّ الكاشف عن حقائق الأمور، وعِلْم ما قد كان وما هو كائن.
وقوله: ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾؛ كما قال: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف:3]، أي: نَذْكُرُ لك الأمر على ما كان عليه، كأنَّك تُشَاهِد وكأنَّك حَاضِر.
ثم قال: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: تَكَبَّر وتَجَبَّر وطَغَى، ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾ أي: أصنافًا، قد صَرَّف كل صِنْف فيما يُريد من أمور دولته.
﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ﴾ يعني: بني إسرائيل. وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم. هذا وقد سُلِّطَ عليهم هذا الملِك الجبَّار العنيد؛ يستعملهم في أَخَسِّ الأعمال، ويَكُدُّهُم ليلًا ونهارًا في أَشغَاله وأَشغَال رعيته، ويَقْتُل مع هذا أبناءَهم ويَستَحْيِي نساءَهم، إهانةً لهم واحتقارًا، وخوفًا من أن يُوجَدَ منهم الغلام الذي كان قد تَخَوَّفَ هو وأهل مملكته من أن يُوجَدَ منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذَهَاب دولته على يديه. وكانت القِبْط قد تَلَقَّوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يَدرُسُونه من قول إبراهيم الخليل، حين وَرَدَ الدِّيَار المصرية، وجَرَى له مع جَبَّارِها ما جَرى، حين أَخَذَ سَارَة ليَتَّخِذَها جاريةً، فصَانَها الله منه، ومَنَعَهُ منها بقدرته وسُلطَانه. فبَشَّرَ إبراهيم عليه السلام وَلَدَه أنه سيُولَد من صُلبه وذُرِّيَّته مَن يكون هلاك مَلِك مِصْرَ على يديه، فكانت القِبْط تَتَحدَّث بهذا عند فرعون، فاحْتَرَزَ فرعون من ذلك، وأَمَرَ بقَتْلِ ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حَذَرٌ من قَدَر؛ لأن أَجَلَ الله إذا جاء لا يُؤَخَّر، ولكلِّ أَجَل كتاب.
ولهذا قال: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾.