الآية (1-3): ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. قال طَلْق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله. ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه؛ فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله.
﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: من قرآن وسنة ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ أي: فلا تخفى عليه خافية. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: في جميع أمورك وأحوالك ﴿ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
الآية (4): يقول تعالى مُوطّئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا معروفًا حسيًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي أُمًّا له، كذلك لا يصير الدَّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنَّاه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ كقوله: ﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ [المجادلة:2]. وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ، كان النبي ﷺ قد تبنَّاه قبل النبوة، وكان يقال له: زيد بن محمد. فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة. قوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ يعني: تبَنّيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًا؛ فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. قال سعيد بن جبير: ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ﴾ أي: العدل. وقال قتادة: ﴿ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ أي: الصراط المستقيم. [سبب النزول]: قد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردًا عليه. واختاره ابن جرير. وعن ابن عباس قال: قام رسول الله ﷺ يومًا يصلي، فخَطَر خَطْرَة[1]، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبًا معكم وقلبًا معهم؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ [رواه أحمد وغيره، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (5): ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادّعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تعالى بِرَدّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط. عن عبد الله بن عمر أن زيدًا مولى رسول الله ﷺ ما كُنَّا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [متفق عليه]. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك. ولهذا لما نسخ هذا الحكم تزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة. وأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب فليس مما نهي عنه في هذه الآية. قوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ﴾ أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوانهم في الدين ومواليهم؛ أي: عوضًا عما فاتهم من النسب؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لزيد: «أنت أخونا ومولانا» [رواه مسلم]. ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع؛ فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه.
﴿ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة:225].
الآية (6): قد علم الله تعالى شفقة رسوله ﷺ على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65]. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة؛ اقرؤوا إن شئتم: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾» [رواه البخاري]. قوله: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع. قوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ﴾ أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم. قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ أي: ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية. قوله: ﴿ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ أي: هذا الحكم -وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض- حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل ولا يغير. قاله مجاهد. وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعي.