الآية (1-5): يُخْبِرُ تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها؛ كما قال تعالى: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ [النحل:1]، وقال: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء:1]، وقد وَرَدَتْ الأحاديث بذلك؛ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «بُعِثتُ والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ، كما ثَبَتَ ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. روى البخاري عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آيةً، فأَرَاهم القَمَر شِقَّين، حتى رَأَوا حِرَاء بينهما.
وقوله: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ﴾ أي: دليلًا وحجةً وبرهانًا ﴿ يُعْرِضُوا ﴾ أي: لا ينقادون له، بل يُعرضُون عنه ويَتْرُكُونه وراء ظهورهم، ﴿ وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج سِحْرٌ سُحِرْنَا به. ومعنى ﴿ مُسْتَمِرٌّ ﴾ أي: ذاهب. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، أي: باطل مُضْمَحِلٌّ، لا دوام له.
﴿ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: كَذَّبُوا بالحق إذ جاءهم، واتَّبعوا ما أَمَرَتْهم به آراؤهم وأهواؤهم من جَهْلِهم وسَخَافة عقولهم.
وقوله: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ قال قتادة: معناه: أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر. وقال ابن جريج: مستقر بأهله. وقال مجاهد: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾ أي: يوم القيامة. وقال السُّدِّي: ﴿ مُسْتَقِرٌّ ﴾ أي: واقع.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ ﴾ أي: من الأخبار عن قَصَص الأمم المكذِّبَة بالرُّسُل، وما حَلَّ بهم من العقاب والنكال والعذاب، ممَّا يُتْلَى عليهم في هذا القرآن، ﴿ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.
﴿ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أَضَلَّه ﴿ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ يعني: أي شيء تُغْنِي النُّذُر عمَّن كَتَب الله عليه الشقاوة، وخَتَمَ على قلبه؟! فمن الذي يهديه من بعد الله؟! وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101].
الآية (6): يقول تعالى: فَتَوَلَّ يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رَأَوا آيةً يعرضون ويقولون: هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ؛ أَعْرِضْ عنهم وانتظرهم ﴿ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُكُرٍ ﴾ أي: إلى شيء مُنْكَرٍ فَظِيعٍ، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال.