حجم الخط:

الآيات (10-16)

الآية (10): قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿ [التوبة:100]. فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ أي: قائلين: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا أي: بغضًا وحسدًا ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .

وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يسبّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ، فسببتموهم. سمعت نبيكم يقول: «لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرُها أولهَا». رواه البغوي[1].

الآية (11-12): يخبر تعالى عن المنافقين -كعبد الله بن أُبي وأضرابه- حين بعثوا إلى يهود بني النضير يَعِدُونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ .

قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أي: لكاذبون فيما وعدوهم به؛ إما لأنهم قالوا لهم قولًا ومن نيتهم ألا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ أي: لا يقاتلون معهم، ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي: قاتلوا معهم ﴿ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ وهذه بشارة مستقلة بنفسها.

الآية (13): قال تعالى: ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله؛ كقوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:77]؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ .

الآية (14): ثم قال تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ يعني: أنهم من جُبنهم وهَلَعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة، بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.

ثم قال: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي: عداوتهم بينهم شديدة، كما قال: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65].

ولهذا قال: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف.

قال إبراهيم النخعي: يعني: أهل الكتاب والمنافقين؛ ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ .

الآية (15): قال: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني: كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر.

وقال ابن عباس: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: يهود بني قينقاع. وكذا قال قتادة وابن إسحاق. وهذا القول أشبه بالصواب؛ فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله قد أجلاهم قبل هذا.

الآية (16): قوله: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: ﴿ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ، ثم لما حقت الحقائق وجَدَّ بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سوَّل للإنسان -والعياذ بالله- الكفر، فإذا دخل فيما سوله تبرَّأ منه وتنصَّل، وقال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .