الآية (10): قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﴾ [التوبة:100]. فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ ﴾ أي: قائلين: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا ﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي يسبّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ، فسببتموهم. سمعت نبيكم ﷺ يقول: «لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرُها أولهَا». رواه البغوي[1].
الآية (11-12): يخبر تعالى عن المنافقين -كعبد الله بن أُبي وأضرابه- حين بعثوا إلى يهود بني النضير يَعِدُونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾.
قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي: لكاذبون فيما وعدوهم به؛ إما لأنهم قالوا لهم قولًا ومن نيتهم ألا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ أي: لا يقاتلون معهم، ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ أي: قاتلوا معهم ﴿ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ وهذه بشارة مستقلة بنفسها.
الآية (13): قال تعالى: ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله؛ كقوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ [النساء:77]؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾.
الآية (14): ثم قال تعالى: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ﴾ يعني: أنهم من جُبنهم وهَلَعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة، بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.
ثم قال: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ أي: عداوتهم بينهم شديدة، كما قال: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام:65].
ولهذا قال: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ﴾ أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف.
قال إبراهيم النخعي: يعني: أهل الكتاب والمنافقين؛ ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾.
الآية (15): قال: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني: كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر.
وقال ابن عباس: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يعني: يهود بني قينقاع. وكذا قال قتادة وابن إسحاق. وهذا القول أشبه بالصواب؛ فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله ﷺ قد أجلاهم قبل هذا.
الآية (16): قوله: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ﴾ يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: ﴿ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾، ثم لما حقت الحقائق وجَدَّ بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سوَّل للإنسان -والعياذ بالله- الكفر، فإذا دخل فيما سوله تبرَّأ منه وتنصَّل، وقال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾.