الآية (105-106): يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نَزَلَ، أي: متضمِّنًا للحقِّ؛ كما قال تعالى: ﴿ لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ [النساء:166] أي: مُتَضَمِّنًا عِلْمَ الله الذي أراد أن يُطْلِعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. ﴿ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ أي: ونَزَل إليك -يا محمد- محفوظًا محروسًا، لم يُشَبْ بغيره، ولا زِيدَ فيه ولا نُقِصَ منه، بل وَصَل إليك بالحقِّ؛ فإنه نَزَلَ به شديد القُوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ أي: يا محمد ﴿ إِلَّا مُبَشِّرًا ﴾ لمن أطاعك من المؤمنين ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن عصاك من الكافرين. ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ ﴾ معناه: فَصَلْنَاهُ من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نَزَلَ مُفرَّقًا مُنجَّمًا على الوقائع إلى رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة. قاله ابن عباس. ﴿ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ ﴾ أي: لتُبَلِّغَه الناس وتَتْلُوه عليهم ﴿ عَلَىٰ مُكْثٍ ﴾ أي: مَهَل، ﴿ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴾ أي: شيئًا بعد شيء.
الآية (107-109): يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم: ﴿ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ﴾ أي: سَوَاءٌ آمَنْتُم به أم لا هو حَقٌّ في نفسه، أَنزَله الله ونَوَّهَ بذِكْره في سالف الأزمان في كُتُبِه الـمُنَزَّلة على رُسُلِه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تَمَسَّكُوا بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرفوه ﴿ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ هذا القرآن ﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ ﴾ جمع ذَقَن، وهو أسفل الوجه ﴿ سُجَّدًا ﴾ أي: لله عز وجل شُكرًا على ما أَنْعَمَ به عليهم، مِن جَعْلِه إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أُنزِل عليه الكتاب؛ ولهذا يقولون: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَا ﴾ أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يُخلِف الميعاد الذي وَعَدَهم على ألسنة الأنبياء المتقدِّمين عن بعثة محمد ﷺ؛ ولهذا قالوا: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴾.
وقوله: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ ﴾ أي: خضوعًا لله عز وجل وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله، ﴿ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ أي: إيمانًا وتسليمًا كما قال تعالى: ﱡﭐ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﱠ [محمد: 17].
الآية (110-111): يقول تعالى: ﴿ قُلِ ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الـمُنْكِرِين صفةَ الرحمن لله عز وجل الـمَانِعِين من تَسْمِيَتِه بـ«الرحمن»: ﴿ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾ أي: لا فَرْقَ بين دعائكم له باسم «الله» أو باسم «الرحمن»؛ فإنه ذو الأسماء الحسنى.
[سبب النزول]: عن ابن عباس قال: نَزَلَت هذه الآية، وهو مُتَوَارٍ بمكة، كان إذا صَلَّى بأصحابه رَفَعَ صوته بالقرآن، فلمَّا سَمِع ذلك المشركون سَبُّوا القرآن، وسَبُّوا من أَنزَلَه، ومن جاء به. قال: فقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ أي: بقراءتك فيَسمَع المشركون فيَسبُّون القرآن. ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ عن أصحابك فلا تُسْمِعُهُمُ القرآن حتى يأخذوه عنك، ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾ [متفق عليه]. وهكذا قال عكرمة والحسن البصري وقتادة: نَزَلَت هذه الآية في القراءة في الصلاة. وقوله: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ لَـمَّا أَثبَتَ تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نَزَّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ أي: ليس بذليل فيَحتَاج أن يكون له وليٌّ أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبِّرها ومُقَدِّرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾: لم يُحالِف أحدًا، ولم يَبْتَغِ نَصْرَ أحد. ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ أي: عَظِّمْه وأَجِلَّه عمَّا يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا.