حجم الخط:

الآيات (106-112)

الآية (106-107): قال ابن عباس: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ : ما نبدل من آية. وقال السدي: نسخُها: قبضُها. وقال ابن جرير: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ : ما ننقل من حُكْم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. قوله تعالى: ﴿ أَوْ نُنْسِهَا : أما من قرأها: «نَنسأها» فمعناه: نؤخرها. قال ابن عباس: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها. وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: نثبت خطها ونبدل حكمها. وأما على قراءة: ﴿ أَوْ نُنْسِهَا فقال قتادة: كان الله تعالى يُنسي نبيه ما يشاء، وينسخ ما يشاء. وقوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين. وقال قتادة: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٦ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء؛ فله الخلق والأمر؛ فكما خلقهم كما يشاء، كذلك يَحْكُم في عباده بما يشاء، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم في دعوى استحالة النسخ إما عقلاً، كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكًا؛ قال ابن جرير: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري؟! أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.

الآية (108): نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة: 101]. وقوله تعالى: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ أي: بل تريدون... والمراد: أن الله ذمَّ من سأل الرسولَ عن شَيء على وجه التعنُّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنُّتًا وتكذيبًا وعنادًا. قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ أي: من يَشْتَرِ الكفر بالإيمان ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنُّت والكفر كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم: 28، 29].

الآية (109): يحذّر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويُعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ قال ابن عباس: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حمَلهم على الجحود، فعيرَّهم ووبخهم ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم. وقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186] قال ابن عباس: نسخَ ذلك قولُه: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وقوله: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فَنَسَخَ هذا عفوَهُ عن المشركين. ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ .

الآية (110): يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُودُ عليهم عاقبتُه يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكّن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله، قال ابن جرير: وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً، وذلك أنه أعْلَم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدُّوا في طاعته إذ كان ذلك مُدَّخراً لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، وليحذروا معصيته.

الآية (111): يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادَّعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على مِلّتها، فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادَّعوها بلا دليل ولا حجة ولا بيّنة، فقال ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ . قال أبو العالية: أمانيُّ تمنوها على الله بغير حق. ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أي: يا محمد ﴿ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ قال أبو العالية ومجاهد: حُجّتكم. وقال قتادة: بيّنتكم على ذلك ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ كما تدّعونه.

الآية (112): ثم قال تعالى: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: مُتّبعٌ فيه الرسول . فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة. فعمل الرهبان ومن شابههم -وإنْ فُرض أنهم مخلصون فيه لله- فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول محمد المبعوث إليهم وإلى الناس كافة.

وقوله: ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ضَمِنَ لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير: فـ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: في الآخرة ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ للموت.