الآية (11-12): ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ أي: صحيح أنـَّا بشر، مثلكم في البشرية، ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: بالرسالة والنبوة، ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ ﴾ على وَفْق ما سألتم ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي: بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: في جميع أمورهم. ثم قالت الرسل: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: وما يمنعنا من التوكُّل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ﴾ أي: من الكلام السيئ، والأفعال السخيفة، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾.
الآية (13-17): يُخبر تعالى عمَّا تَوَعَّدَت به الأمم الكافرة رُسُلَهم، من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ الآية [الأعراف:88]، وقال قوم لوط: ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ﴾ الآية [النمل:56]، وقال تعالى إخبارًا عن مشركي قريش: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:76]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال:30]. وكان من صنعه تعالى: أنه أظهر رسولَه ونصَرَه، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانًا وجندًا، يقاتلون في سبيل الله، ولم يَزَل يُرَقِّيه حتى فَتَح له مكة التي أَخرجَتْه، ومَكَّن له فيها، وأَرغَم آناف أعدائه منهم، وسائر الأرض، حتى دَخَل الناس في دين الله أفواجًا، وظهرَت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات:171- 173]، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة:21]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء:105].
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ أي: وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرحمن:46]. وقوله: ﴿ وَاسْتَفْتَحُوا ﴾ أي: استنصرت الرسل ربَّها على قومها. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها؛ كما قالوا: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال:32]. ويُحتمَل أن يكون هذا مُرادًا وهذا مُرادًا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر، واستفتح رسول الله واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ الآية [الأنفال:19]، والله أعلم.
﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أي: مُتجبِّر في نفسه معاند للحق.
وقوله: ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ و«وراء» ها هنا بمعنى «أمَام»، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ [الكهف:79].
أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد، يسكنها مخلدًا يوم المعاد، ويُعرَض عليها غدوًّا وعشيًّا إلى يوم التنادِ. ﴿ وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴾ أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غسّاق، فهذا في غاية الحرارة، وهذا في غاية البَرْد والنَتَن، قال مجاهد: الصديد: من القَيْح والدم. وقال قتادة: هو ما يَسيل من لحمه وجلده. وفي رواية عنه: الصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم.
وقوله: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ أي: يتغصَّصه ويَتَكَرَّهه، أي: يشربه قهرًا وقَسْرًا، لا يضعه في فيه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ [الحج:21]. ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي: يَزْدَرِدُه لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته أو برده الذي لا يستطاع. ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه. وقال ابن عباس: ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يُعَذِّبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ﴾ [فاطر:36]. ومعنى كلام ابن عباس: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا وَرَدَ عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لِيَخْلُدَ في دوام العذاب والنكال؛ ولهذا قال: ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾.
وقوله: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مُؤلِـم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمرّ. وهذا كما قال تعالى: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ [الرحمن:44]، وقال: ﴿ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ [ص:57-58]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوُّع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه وأشكاله، ممَّا لا يحصيه إلا الله عز وجل جزاءً وفاقًا، ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت:46].
الآية (18): مثل أعمال الذين كفروا يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء، فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصَّل من الرماد إذا اشتدَّت به الريح العاصفة، ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ أي: ذي ريح عاصفة قوية، فلا يقدرون على شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا، إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان:23]. وقال في هذه الآية: ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة حتى فَقَدوا ثوابهم أَحْوَجَ ما هم إليه.