الآية (11-14): ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ﴾ أي: بحَسْب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم، لأنفسكم ولأنعامكم.
﴿ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ أي: أرضًا ميتةً، فلمَّا جاءها الماء ﴿ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج:5] ثم نَبَّهَ بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: ﴿ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾.
ثُمَّ قال عز وجل: ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا ﴾ أي: ممَّا تُنْبِت الأرض من سائر الأصناف، من نبات وزروع وثمار وأزاهير، وغير ذلك، ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها، ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ ﴾ أي: السُّفُن، ﴿ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ أي: ذَلَّلَهَا لكم وسَخَّرَها ويَسَّرَها لأكلكم لحومها، وشُرْبِكم ألبانها وركوبكم ظهورها؛ ولهذا قال: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ﴾ أي: لتستووا متمكنين مرتفقين. ﴿ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ﴾ أي: على ظهور هذا الجنس.
﴿ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ ﴾ أي: فيما سَخَّر لكم، ﴿ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ أي: مقاومين. ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ابن عباس وقتادة والسُّدِّي وابن زيد: ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ أي: مُطِيقين.
﴿ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سَيرنا الأكبر. وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نَبَّهَ بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ﴾ [البقرة:197]، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ [الأعراف:26].
عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليًّا أتي بدابَّة، فلمَّا وَضَعَ رجله في الرِّكاب قال: باسم الله. فلمَّا استوى عليها قال: الحمد لله، ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾، ثم حمد الله ثلاثًا، وكَبَّرَ ثلاثًا، ثم قال: سبحانك، لا إله إلا أنت، قد ظلمتُ نفسي فاغفر لي» [رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني].
الآية (15-20): قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾: يقول تعالى مُخْبِرًا عن المشركين فيما افتروه وكذَبوه في جَعْلِهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله؛ كما ذكر الله في قوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الأنعام:136]. [و] قال تعالى: ﱡﭐ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ ٢١ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ﴾ [النجم:21]، وقــال ههنا: ﴿ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾.
ثم قال: ﴿ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ﴾؟! وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثُمَّ ذَكَرَ تمام الإنكار فقال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي: إذا بُشِّرَ أحد هؤلاء بما جَعَلُوه لله من البنات يَأنَف من ذلك غاية الأنفة، وتَعلُوه كآبة من سوء ما بُشِّرَ به، ويَتَوَارى من القوم من خَجَلِه من ذلك، يقول تعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتَنْسِبُونه إلى الله عز وجل ؟!
ثم قال: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ أي: المرأة ناقصة يَكْمُلُ نَقصها بلُبْس الـحُليِّ منذ تكون طفلةً، وإذا خَاصَمَت فلا عبارةَ لها، بل هي عاجزة عَيِيَّة، أوَمَنْ يكون هكذا يُنْسَبُ إلى جناب الله عز وجل ؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيَكْمُل نَقْصُ ظاهرها وصورتها بلُبْس الـحُليِّ وما في معناه، ليجبر ما فيها من نَقْص، وأما نَقْص معناها: فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار؛ عند الانتصار لا عبارةَ لها ولا هِمَّة. وقوله: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأَنْكَر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ أي: شاهدوه وقد خَلَقَهم الله إناثًا، ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ﴾ أي: بذلك، ﴿ وَيُسْأَلُونَ ﴾ عن ذلك يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ﴾ أي: لو أراد الله لَـحَالَ بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله؛ فإنه عالم بذلك وهو يُقَرِّرنا عليه. فجَمَعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جَعْلُهم لله ولدًا، تعالى وتقدَّس وتنزَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا. الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل ، بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والْـخَبْط في الجاهلية الجهلاء. الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قَدَرًا، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلًا كبيرًا؛ فإنه تعالى قد أَنْكَرَ ذلك عليهم أشدَّ الإنكار، فإنه منذ بَعَثَ الرسل وأَنْزَلَ الكُتُب يأْمُر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه؛ قال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف:45]. ﴿ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به. ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ أي: يكذبون ويتقوَّلون. وقال مجاهد: أي: ما يعلمون قدرةَ الله على ذلك.
الآية (21-22): يقول تعالى منكرًا على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ ﴾؟! أي: من قبل شركهم، ﴿ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ أي: فيما هم فيه، أي: ليس الأمر كذلك؛ كقوله: ﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ [الروم: 35]. ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشِّرْك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أُمَّةٍ، والمراد بها: الدِّين ههنا وفي قوله: ﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [الأنبياء:92].
وقولهم: ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ ﴾ أي: وراءهم، ﴿ مُقْتَدُونَ ﴾ دعوى منهم بلا دليل.