الآية (11-18): ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴿١٣﴾ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴿١٤﴾ كَلَّا ﴾ أي: لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض، وبأعز ما يجده من المال، ولو بملء الأرض ذهبًا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حُشَاشة كبده، يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به، ولا يُقبل منه. قال مجاهد والسدي: ﴿ وَفَصِيلَتِهِ ﴾ قبيلته وعشيرته. وقال عكرمة: فخذه الذي هو منهم. وقال مالك: أمه. قوله: ﴿ إِنَّهَا لَظَىٰ ﴾ يصف النار وشدة حرها. ﴿ نَزَّاعَةً لِلشَّوَىٰ ﴾ قال ابن عباس: جلدة الرأس. وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم. وقال سعيد بن جبير: العصب. وقال أبو صالح: يعني: أطراف اليدين والرجلين. وقال الحسن البصري: أي: مكارم وجهه. وقال قتادة: أي: نزاعة لهامتِه ومكارم وجهِه وخَلْقِه وأطرافه. فقوله: ﴿ نَزَّاعَةً ﴾ قال: تقطع عظامهم، ثم يُجَدد خلقهم وتبدل جلودهم. ﴿ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلق ذَلِق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب. وذلك أنهم -كما قال الله عز وجل- كانوا ممن ﴿ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ أي: كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، ﴿ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ ﴾ أي: جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة.
الآية (19-23): يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾. ثم فسره بقوله: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾ أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير، ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها. ثم قال: ﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله ووفقه، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه، وهم المصلون ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ قيل: معناه: يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم. وقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة؛ فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته؛ لأنه لم يسكن فيها ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه؛ كما جاء عن عائشة قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا داوم عليه [رواه مسلم].
الآية (24-31): ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات. ﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب؛ ولهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ أي: خائفون وجلون، ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ أي: لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك وتعالى. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ أي: يكُفُّونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه. ولهذا قال: ﴿ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ أي: من الإماء، ﴿ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٣٠﴾ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾. وقد تقدم تفسير ذلك في أول سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بما أغنى عن إعادته ههنا[1].
الآية (32-35): ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا. وهذه صفات المؤمنين، وضدها صفات المنافقين؛ كما ورد في الحديث الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [رواه البخاري ومسلم]. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ﴾ أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها، ولا ينقصون منها، ولا يكتمونها، ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة:283]. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها، كما تقدم في أول سورة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ سواء؛ لهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾ أي: مكرمون بأنواع الملاذّ والمسارّ.
الآية (36-39): يقول تعالى منكرًا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وهم مشاهدون له، ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارون منه، متفرقون عنه، شاردون يمينًا وشمالًا، فِرَقًا فِرَقًا، وشِيعًا شِيعًا: ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﰀ ﰁ﴾ أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد ﴿ﰁ﴾ أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: ﴿ﰁ﴾ أي: منطلقين. ﴿ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ واحدها عِزَةٌ، أي: متفرقين. وهو حال من مهطعين، أي: في حال تفرقهم واختلافهم. وقال ابن عباس: ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﰀ ﰁ﴾ قبلك ينظرون، ﴿ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ العزين: العُصَب من الناس، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به. وقال الحسن: متفرقين، يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل؟ وقال قتادة: ﴿ﰁ﴾ عامدين، ﴿ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ أي: فِرَقًا حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله، ولا في نبيه ﷺ. عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حِلَق، فقال: «ما لي أراكم عزين؟!» [رواه مسلم]. ﴿ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ﴾ أي: أيطمع هؤلاء -والحالة هذه من فرارهم عن الرسول ﷺ ونفارهم عن الحق- أن يدخلوا جنات النعيم؟! بل مأواهم الجحيم. ثم قال مقررًا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه، واستبعدوا وجوده، مستدلًّا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها وهم معترفون بها، فقال: ﴿ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾ أي: من المني الضعيف كما قال: ﴿ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﴾ [المرسلات: 20].
الآية (40): ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ﴾ أي: الذي خلق السموات والأرض، وجعل مشرقًا ومغربًا، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها. وتقدير الكلام: ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولا حساب، ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة. ولهذا أتى بـ «لا» في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي.