حجم الخط:

الآيات (114-120)

الآية (114): ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا قال السُّدِّي: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظّمه نحن وَمَنْ بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يومًا نصلي فيه، وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقِبهم من بعدهم. ﴿ وَآيَةً مِنْكَ أي: دليلًا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أُبلّغه عنك ﴿ وَارْزُقْنَا أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كُلْفَةٍ ولا تعب ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .

الآية (115): ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ أي: فمن كذَّب بها من أمتك يا عيسى وعاندها ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ أي: من عالمي زمانكم. عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون [رواه ابن جرير، وصحح إسناده أحمد شاكر]. [وقد دلت الآثار] على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر السياق من القرآن العظيم: ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ الآية. وقال قائلون: إنها لم تنزل. فروي عن مجاهد قال: هو مثلٌ ضربه الله ولم يَنزل شيء. وروي عن الحسن أنه قال في المائدة: لم تنزل. وأسانيدها صحيحة إلى مجاهد والحسن. ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها بقوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق. وهذا القول هو -والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك! قال: «وتفعلون؟» قالوا: نعم. فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة! قال: «بل باب التوبة والرحمة» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

الآية (116-117): هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام، قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]. وقال السُّدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا. قال ابن جرير: وهذا هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه الله إلى السماء الدنيا. ومعنى قوله: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118]: التبرِّي منهم ورَدّ المشيئة فيهم إلى الله. وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات. والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر -والله أعلم- أن ذلك كائنٌ يوم القيامة؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل. ﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ أي: إن كان صَدَرَ مني هذا فقد علمتَهُ يا رب؛ فإنه لا يخفى عليك شيء مما قلتُه ولا أدَرْتُه في نفسي ولا أضمرتُه؛ ولهذا قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ بإبلاغه ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أي: هذا هو الذي قلت لهم ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهُرِهم ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله بموعظة، فقال: «يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله عز وجل حُفاةً عراة غُرْلًا، ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] وإن أول الخلائق يُكْسَى إبراهيم، ألا وإنه يُجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» [رواه البخاري].

الآية (118): ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هذا الكلام يتضمن رَدّ المشيئة إلى الله عز وجل؛ فإنه الفعَّال لما يشاء، الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. ويتضمن التبرِّي من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله نِدًّا وصاحبة وولدًا. وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب؛ عن أبي ذر قال: صلى النبي ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحتَ، تركع بها وتسجد بها؟! قال: «إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا» [رواه أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده جيد].

الآية (119-120): يقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم، فيما أنهاه إليه من التبرِّي من النصارى، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رَدّ المشيئة فيهم إلى ربه عز وجل فعند ذلك يقول تعالى: ﴿ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ . قال ابن عباس: يقول: يوم ينفع الموحدين توحيدهم. ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أي: ماكثين فيها لا يَحُولون ولا يزولون، ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . ﴿ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي: هذا هو الفوز الكبير الذي لا أعظم منه.

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها القادر عليها؛ فالجميع ملْكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، فلا إله غيره ولا رب سواه.

وهذا آخر تفسير سورة المائدة.