حجم الخط:

الآيات (12-18)

الآية (12-15): يقول تعالى مُخْبِرًا عن المؤمنين الـمُتَصَدِّقِين: أنهم يوم القيامة يسعَى نُورُهم بين أيديهم في عَرَصَات القيامة بحَسَب أعمالهم، كما قال ابن مسعود: على قَدْر أعمالهم يمرون على الصراط: منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورًا مَن نوره في إبهامه يَتَّقِد مرةً ويُطْفَأُ مرةً. وقال الضحاك: ليس أحد إلا يُعْطَى نورًا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طُفِئ نور المنافقين، فلمَّا رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يُطْفَأَ نورهم كما طُفِئ نور المنافقين، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: على الصراط.

وقوله: ﴿ وَبِأَيْمَانِهِمْ قال الضحاك: أي وبأيمانهم كُتُبُهم، كما قال: ﴿ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الإسراء:71].

وقوله: ﴿ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: يُقال لهم: بُشرَاكم اليوم جناتٌ، أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وهذا إخبار منه تعالى عمَّا يقع يوم القيامة في العَرَصَات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذٍ إلا من آمن بالله ورسوله، وعَمِل بما أَمَرَ الله، وتَرَك ما عنه زَجَرَ. قال أبو أمامة: تنتقلون منه [أي القبر] إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا.

قال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بَعَثَ الله نورًا، فلمَّا رأى المؤمنون النور توَجَّهوا نحوه، وكان النور دليلًا من الله إلى الجنة، فلمَّا رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتَّبَعُوهم، فأَظْلَم الله على المنافقين، فقالوا حينئذٍ: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فإنا كنَّا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ﴿ ارْجِعُوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور. ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار. وهكذا رُوي عن مجاهد وغير واحد، وهو الصحيح. ﴿ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: الجنة وما فيها، ﴿ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ أي: النار. قاله قتادة وابن زيد وغيرهما. والمراد بذلك: سورٌ يُضرَب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دُخولهم أُغْلِق الباب وبَقِيَ المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة، ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي: يُنَادِي المنافقون المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الـجُمُعات، ونُصَلِّي معكم الجماعات، ونَقِفُ معكم بعَرَفَات، ونَحْضُر معكم الغَزَوَات، ونُؤَدِّي معكم سائر الواجبات؟!

﴿ قَالُوا أي: فأجاب المؤمنون: ﴿ بَلَىٰ قد كنتم معنا ﴿ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ قال بعض السَّلَف: أي فَتَنْتُم أنفسَكم باللَّذَّات والمعاصي والشهوات.

﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ أي: أَخَّرْتُم التوبة من وقت إلى وقت.

وقال قتادة: ﴿ وَتَرَبَّصْتُمْ بالحق وأهله ﴿ وَارْتَبْتُمْ أي: بالبعث بعد الموت، ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ أي: قلتم: سيُغفَر لنا. وقيل: غَرَّتْكُم الدنيا ﴿ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي: ما زِلْتُم في هذا حتى جاء الموت ﴿ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خُدْعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قَذَفَهُم الله في النار. ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا بأبدان لا نيةَ لها ولا قلوبَ معها، وإنما كنتم في حيرة وشَكّ، فكنتم تُراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلًا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يُنَاكِحُونَهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويُعطَون النور جميعًا يوم القيامة، ويُطفَأ النور من المنافقين إذا بَلَغُوا السُّور، ويُماز بينهم حينئذٍ. وقوله: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: لو جاء أحدكم اليوم بمِلْءِ الأرض ذَهَبًا ومثله معه ليَفْتَدِي به من عذاب الله، ما قُبِل منه. ﴿ مَأْوَاكُمُ النَّارُ أي: هي مصيركم وإليها مُنْقَلَبُكم، ﴿ هِيَ مَوْلَاكُمْ أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

الآية (16-17): يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تَخْشَع قلوبهم لذِكر الله، أي: تَلِين عند الذِّكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتَنْقَاد له وتسمع له وتُطِيعه. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عَاتَبَنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين [رواه مسلم].

﴿ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ نَهَى الله المؤمنين أن يَتَشَبَّهوا بالذين حَمَلُوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لَـمَّا تطاول عليهم الأمد بَدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونَبَذُوه وراء ظهورهم، وأَقْبَلُوا على الآراء المختلفة والأقوال الـمُؤْتَفَكَة، وقَلَّدُوا الرجال في دين الله، واتَّخَذُوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قَسَتْ قلوبهم، فلا يَقبَلُون موعظةً، ولا تَلِيْنُ قلوبهم بوَعْدٍ ولا وعيد.

﴿ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة؛ كما قال: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13].

وقوله: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فيه إشارة إلى أنه تعالى يُلِينُ القلوب بعد قَسْوَتها، ويَهدِي الحَيَارى بعد ضَلَّتِهَا، ويفرِّج الكروب بعد شِدَّتِها، فكما يُحْيي الأرض الميتة الـمُجْدِبَة الهامدة بالغَيْث الهتَّان الوابل، كذلك يَهدِي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويُولِج إليها النور بعد ما كانت مُقْفَلَةً لا يَصِل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والـمُضِلِّ لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لِـمَا يشاء فَعَّال، وهو الحكَم العَدْل في جميع الفِعَال، اللطيف الخبير الكبير الـمُتَعَال.

الآية (18): يُخْبِرُ تعالى عما يُثِيبُ به الـمُصَّدِّقين والـمُصَّدِّقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والـمَسْكَنَة، ﴿ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا أي: دَفَعُوه بنيةٍ خالصةٍ ابتغاء مرضاة الله، لا يُريدون جزاءً مِـمَّن أَعْطَوه ولا شكورًا. ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمْ أي: يُقابل لهم الحسنة بعَشْر أمثالها، ويَزدَاد على ذلك إلى سبعمائة ضِعف وفوق ذلك، ﴿ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ أي: ثواب جزيل حَسَن، ومرجع صالح، ومآب حَسَن.