الآية (127): القواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل البيت، ورفْعَهما القواعدَ منه، وهما يقولان: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله أن يتقبل منهما.
الآية (128): قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك. ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ قال السدي: يعنيان العرب. قال ابن جرير: والصواب أنه يَعُمُّ العرب وغيرَهم؛ لأنَّ من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف:159].
[قال ابن كثير]: وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي مَن عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾ الآية، والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ [الجمعة:2]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف:158]. وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان:74]، وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يُحب أن يكون من صُلبه من يعبد الله وحده لا شريك له.
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾: قال عطاء: أخرِجها لنا، وعَلِّمْنَاها.
الآية (129): يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم - أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، أي: من ذرية إبراهيم وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولا.
والمراد أن أول من نوَّه بذكره وشَهَره في الناس إبراهيم عليه السلام. ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى ابن مريم عليه السلام.
وقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾ يعني: القرآن ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة. ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ قال ابن عباس: يعني طاعة الله والإخلاص. وقال محمد بن إسحاق: يعلّمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتّقوه، ويخبرهم برضاه عنهم إذا أطاعوه ليستكثروا من طاعته، ويجتنبوا ما يُسخطه من معصيته. وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ أي: العزيز الذي لا يُعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.
الآية (130-132): يقول تبارك وتعالى رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جَرَّد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يَدْعُ معه غيرَه، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرّأ من أبيه، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ [الزخرف:26-27]، ولهذا وأمثاله قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي: ظلم نفسه بسَفَهِهِ وسوء تدبيره بتركِه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد، مِن حَداثة سنّه إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء - فترك طريقه هذا ومسلكه وملّته واتبع طُرقَ الضلالة والغَيّ، فأيُّ سفه أعظم من هذا؟! أم أيُّ ظلم أكبر من هذا؟! كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان:13]. وقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملَّة إبراهيم فيما أخذوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:67-68]. وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا. وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾ أي: وصى بهذه الملّة وهي الإسلام لله؛ لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي: أحسِنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه؛ فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه.
الآية (133): يقول تعالى محتجًا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمّه.
وقوله: ﴿ إِلَٰهًا وَاحِدًا ﴾ أي: نُوَحِّدُه بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي: مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [آل عمران:83]، والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء:25].
الآية (134): قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ أي: مضَت ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم: ﴿ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.