حجم الخط:

الآيات (127-153)

الآية (127-132): ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: للعذاب يوم الحساب ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أي: الموحدين منهم. قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي: ثناء جميلًا ﴿ سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ كما يقال في إسماعيل: إسماعين. وهي لغة بني أسد. وقرأ آخرون: «سلام على إدراسين»، وهي قراءة عبد الله بن مسعود. قوله: ﴿ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣١ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ قد تقدم تفسيره.

الآية (133-138): يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام أنه بعثه إلى قومه فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله، إلا امرأته؛ فإنها هلكت مع من هلك من قومها؛ فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم، يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿١٣٧ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم، وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟!

الآية (139-142): في الصحيحين عن رسول الله أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى». قوله: ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ قال ابن عباس: هو الموقر، أي: المملوء بالأمتعة ﴿ فَسَاهَمَ أي: قارع ﴿ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ أي: المغلوبين؛ وذلك أن السفينة تَلَعَّبَت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهم يَضِنُّون[1] به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر الله تعالى حوتًا من البحر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس عليه السلام، فلا يَهْشِمُ له لحمًا، ولا يكسر له عظمًا.

الآية (143-146): ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس وقتادة. واختاره ابن جرير. وفي حديث عن ابن عباس: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» [رواه أحمد والترمذي، وصححه أحمد شاكر والألباني]. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك. وقيل: المراد هو قوله: ﴿ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٧ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، قاله سعيد بن جبير. ولهذا قال تعالى: ﴿ فَنَبَذْنَاهُ أي: ألقيناه ﴿ بِالْعَرَاءِ قال ابن عباس: وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء. ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السُّدي: كهيئة الصبي حين يولد، وهو المنفوس. ﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع. وعن سعيد بن جُبَير: وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تَهْلِك من عَامِها فهي من اليقطين. وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليلُ ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطبوخًا بلبه وقشره أيضًا. وقد ثبت أن رسول الله كان يُحِبّ الدُّبَّاء، ويتتبعه من حَوَاشي الصَّحْفة [متفق عليه].

الآية (147-148): ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ عن ابن عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت. وقال مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت. قلت: ولا مانع أن يكون الذين أُرسل إليهم أولًا، أُمِر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. قوله: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس - في رواية عنه-: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفًا. قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المائة الألف، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم. ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، أن المراد ليس أنقص من ذلك، بل أزيد. ﴿ فَآمَنُوا أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أُرسل إليهم يونس عليه السلام جميعهم ﴿ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ أي: إلى وقت آجالهم؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [يونس:98].

الآية (149-153): يقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون؛ أي: من الذكور؛ أي: يَودّون لأنفسهم الجيد. ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58] أي: يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول عز وجل: فكيف نسبوا إلى الله القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟! ولهذا قال: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أي: سلهم على سبيل الإنكار عليهم: ﴿ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ؟! كقوله: ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ ﴿٢١ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ [النجم:21-22]. ﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟! كقوله: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ أي: من كذبهم ﴿ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١ وَلَدَ اللَّهُ أي: صدر منه الولد ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، فذكر الله عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولًا جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدًا. وجعلوا ذلك الولد أنثى. ثم عبدوهم من دون الله. وكل منها كافٍ في التخليد في نار جهنم. ثم قال منكرًا عليهم: ﴿ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ أي: أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين؟! كقوله: ﴿ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40].