حجم الخط:

الآيات (128-134)

الآية (128): يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال الزوجين: ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعرض عنها، فلها أن تُسقط حقها أو بعضه، من نفقة أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ثم قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ أي: من الفراق -وقوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [1] أي الصلح عند المُشَاحَّة خير من الفراق- ولهذا لما كبرت سَوْدَة بنت زَمْعَة عزم رسول الله على فراقها، فصالحته على أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فَقَبِل ذلك منها وأبقاها على ذلك. وعن عائشة: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا قالت: الرجل تكون عنده المرأة، ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ. فنزلت هذه الآية [رواه البخاري]. عن خالد بن عَرْعَرَة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله عز وجل: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا قال علي: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتَكره فراقه، فإن وضعَت له من مهرها شيئًا حَلّ له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج [رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وكذا فسَّرها غير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافًا في أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قال ابن عباس: يعني التخيير، أنّ تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرَة غيرها عليها. والظاهر من الآية أن صُلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلّية، كما أمسك النبي سودة بنت زَمْعة على أن تركَت يومها لعائشة، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعلُه ذلك لتتأسَّى به أمّته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام. ولـمّا كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ . قوله: ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وإن تتجشَّموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.

الآية (129-130): ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه؛ فإنه وإن وقع القسْم الصوري: ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس. كما في الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت: كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تَلُمْنِي فيما تملك ولا أملك» يعني: القلب. وإسناده صحيح. ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ أي: فإذا مِلْتُم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ أي: فتبقى الأخرى مُعَلَّقة. قال ابن عباس: معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شِقَّيْهِ ساقط» [رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الألباني]. ﴿ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من مَيْل إلى بعض النساء دون بعض.

﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر تعالى أنهما إذا تفرَّقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه؛ بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه ﴿ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا أي: واسع الفضل عظيم المنّ، حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.

الآية (131): يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله عز وجل بعبادته وحده لا شريك له. ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ، كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:8]، وقال ﴿ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن:6]؛ أي: ﴿ غَنِيٌّ عن عباده، ﴿ حَمِيدٌ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.

الآية (132-133): ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء. ﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]. وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره. وقال: ﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٩ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:19-20] أي: ما هو عليه بممتنع.

الآية (134): ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك.