حجم الخط:

الآيات (13-27)

الآية (13-14): يقول تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ يا محمد لقومك الذين كذبوك ﴿ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ قال ابن إسحاق - فيما بلغه عن ابن عباس-: إنها مدينة أنطاكية، وهكذا روي عن بُرَيدة ابن الحُصَيب وعِكْرِمة وقتادة، والزهري. قوله: ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا أي: بادروهما بالتكذيب ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث. ﴿ فَقَالُوا أي: لأهل تلك القرية: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له.

الآية (15-16): ﴿ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلِمَ لا أوحيَ إلينا مثلكم؟! ولو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة. وهذه شُبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن:6]، فاستعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله: ﴿ قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [إبراهيم:10]، وقوله حكاية عنهم في قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [المؤمنون:34]. ولهذا قال هؤلاء: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ .

﴿ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رُسُلُه إليكم، ولو كنا كَذَبةً عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت:52].

الآية (17): ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غِبّ ذلك، والله أعلم.

الآية (18-19): عند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ أي: لم نرَ على وجوهكم خيرًا في عيشنا. وقال قتادة: يقولون: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عُذّب أهلها. ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم. ﴿ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: عقوبةٌ شديدةٌ، فقالت لهم رسلهم: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي: مردود عليكم؛ كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131]، وقال قوم صالح: ﴿ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل:47]. وقال قتادة: أي أعمالكم معكم. وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78].

قوله: ﴿ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أي: من أجل أنَّا ذكّرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعَّدتمونا وتهدَّدتمونا؟! بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي: إن ذكَّرناكم بالله تطيّرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.

الآية (20-22): قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس-: إن أهل القرية هَمُّوا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ يحضّ قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم ﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا أي: على إبلاغ الرسالة ﴿ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له. قوله: ﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له. ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

الآية (23-24): ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ؟! استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ﴿ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئًا؛ فإن الله لو أرادني بسوء فلا كاشف له إلا هو، وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.

الآية (25): قوله: ﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس- يقول لقومه: ﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الذي كفرتم به ﴿ فَاسْمَعُونِ أي: فاسمعوا قولي. ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ أي: الذي أرسلكم، ﴿ فَاسْمَعُونِ أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إنّي آمنت بربكم واتبعتكم. وهذا القول الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.

الآية (26-27): قال ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم فوجبت له، فلما رأى الثواب قال: ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا، لا تلقاه غاشًا؛ لَمَّا عاين ما عاين من كرامة الله ﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وما هجم عليه. وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20]، وبعد مماته في قوله: ﴿ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ . وقال أبو مِجْلَز: ﴿ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ : بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين. ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصًا على هداية قومه.