الآية (131): ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ﴾ أي: مِنَ الخِصْبِ والرزق ﴿ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ﴾ أي: هذا لنا بما نستحقه.
﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي: جَدْبٌ وقَحْطٌ ﴿ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ﴾ أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يقول: مصائبهم عند الله ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ وقال ابن جريج: عن ابن عباس قال: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ إلا مِن قِبَل الله.
الآية (132-135): هذا إخبار من الله عز وجل عن تَمرُّد قوم فرعون وعتوِّهم، وعنادهم للحقِّ، وإصرارهم على الباطل في قولهم: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يقولون: أيُّ آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها، رددناها فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك ولا بما جئت به.
قال الله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ﴾ اختلفوا في معناه؛ فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار الـمُغْرِقَة الـمُتْلِفَة للزروع والثمار. وبه قال الضحاك بن مُزَاحِم. وعن ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت. وكذا قال عطاء. وقال مجاهد: ﴿ الطُّوفَانَ ﴾: الماء، والطاعون على كل حال. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ [القلم:19].
وأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لِـمَا ثَبَت عن أبي يعفُور قال: سألت عبد الله بن أبي أَوْفَى عن الجراد! فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد [متفق عليه].
وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَان ودَمَان: الحوت والجراد، والكبد والطحال» [رواه أحمد وابن ماجه، وصححه أحمد شاكر وجود إسناده الألباني].
وأما ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾ فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه أنه الدَّبَا -وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له- وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة.
وعن الحسن وسعيد بن جبير: ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾: دواب سود صغار.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾: البراغيث.
وقال ابن جرير ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾: جمع، واحدتها «قُمَّلة»، وهي دابة تشبه القَمْل، تَأْكُلُهَا الإِبِلُ، فيما بلغني.
﴿ وَالدَّمَ ﴾ قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: «... فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دمًا لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عاد دمًا عبيطًا». وقال زيد بن أسلم: يعني بالدم: الرعاف.
الآية (136-137): يخبر تعالى أنهم لَـمَّا عَتَوَا وَتَمَرَّدُوا -مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة- انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليمِّ، وهو البحر الذي فَرَقَه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم وَرَدَه فرعون وجنوده على أثرهم، فلمَّا استكملوا فيه ارتَطَم عليهم، فغرقوا عن آخرهم؛ وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها.
وأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين كانوا يستضعفون -وهم بنو إسرائيل- ﴿ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص:5-6]، وقال تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴿٢٧﴾ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ [الدخان:25-28].
وعن الحسن البصري وقتادة في قوله: ﴿ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾: يعني: الشام.
وقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ﴾ قال مجاهد وابن جرير: هي قوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص:5-6].
وقوله: ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ أي: وَخَرَّبْنَا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع.
﴿ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: يبنون.